ديترويت
أمام المحكمة الفدرالية في ديترويت، عقدت «الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية» ACRL، يوم الثلاثاء الماضي، مؤتمراً صحفياً أعلنت فيه عن رفع دعوى جماعية ضد وزير الخارجية الأميركي بصفته الرسمية وعدد من الشركات الموردة للمعدات العسكرية لدورهم في تمكين جيش الاحتلال الإسرائيلي من تدمير ممتلكات مواطنين أميركيين في لبنان، بما وصفته انتهاكاً صريحاً لـ«قانون ليهي» الفدرالي.
وبالإضافة إلى ماركو روبيو، تسمي الشكوى الجماعية –التي تضم 17 مدعياً من أصل لبناني– كلاً من شركة «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» و«كاتربيلر»، لضلوعهم في «نقل معدات وأدوات إلى إسرائيل» رغم علمهم المسبق بأن دولة الاحتلال تستخدم هذه المعدات لارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في لبنان وأماكن أخرى.
وتتهم الدعوى الفدرالية، وزارة الخارجية بممارسة نمط ثابت من «الاستثناء الإسرائيلي» و«المعاملة التفضيلية» لدولة الاحتلال، موضحة أنه رغم وجود أدلة موثقة على انتهاكات حقوق الإنسان، يستمر «الفشل الجوهري» في تطبيق «قانون ليهي» الذي يحظر على وزارتي الخارجية والدفاع تقديم المساعدات العسكرية أو التدريبات لقوات الأمن والجيوش الأجنبية متى توفرت معلومات موثوقة ترجح ارتكابها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وهو ما أثبتته المنظمات الحقوقية في مئات التقارير الموثقة، وفقاً للدعوى.
ورفعت ACRL الدعوى نيابة عن مواطنين أميركيين أو مقيمين دائمين كانوا يملكون عقاراً أو ممتلكات في لبنان منذ الأول من نيسان (أبريل) 2024، لافتة إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أسفرت عن تدمير ممتلكاتهم أو حرمانهم من الوصول إليها.
وجاء في الدعوى المكونة من 85 صفحة، أن هؤلاء «يعانون من تهديد مستمر ومفتوح الأمد بالقتل أو التعرض لإصابات جسدية خطيرة –سواء لهم أو لأفراد عائلاتهم ومجتمعاتهم– فضلاً عن استمرار تدمير ممتلكاتهم ومصادرة أراضٍ يملكونها بشكل قانوني، وما يصاحب ذلك من معاناة نفسية وعاطفية حادة».
وتحدث خلال المؤتمر الصحفي رئيس مجلس إدارة ACRL، ناصر بيضون، الذي ورد اسمه ضمن قائمة المدعين، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية دمرت منزلاً عائلياً في بنت جبيل كان والده قد بناه بعد أن عمل لأكثر من 30 عاماً في شركة «فورد» للسيارات.
ويقدّر أعداد الأميركيين من أصل لبناني المقيمين في جنوب شرقي ميشيغن والذين تعود جذورهم إلى بلدة بنت جبيل بما يتراوح بين 20 ألفاً و25 ألف شخص.
وتطالب الدعوى بإصدار أمر قضائي يوقف نقل وبيع المعدات إلى إسرائيل، كما تسعى الدعوى للحصول على تعويضات مالية عن تدمير الممتلكات وتعطل الأعمال التجارية، وما تكبده المدعون من ألم ومعاناة نفسية وعاطفية.
وتشمل أسباب الدعوى –على سبيل المثال– مطالبات تتعلق بالإهمال وسوء السلوك المتعمد والمتهور، والتسبب المتعمد في معاناة نفسية، والمساعدة والتحريض على التعدي على الممتلكات العقارية، وغيرها من المطالبات الناشئة عن الدمار الذي لحق بالمدعين «الذين شهدوا تدمير منازلهم وممتلكات عائلاتهم وأعمالهم وقراهم وتاريخهم الممتد عبر أجيال –وهم على بعد آلاف الأميال–».
ويتضمن نص الدعوى نحو 13 صفحة لسرد حالات أفراد بأسمائهم، أو بأسماء مستعارة لحماية هوياتهم، من بنت جبيل وميس الجبل وعيناتا والطيبة ورامية ودبين وصربين وبرج رحال وحناويه والنبطية والضاحية الجنوبية وغيرها.
وبحسب النص الذي اطلعت عليه «صدى الوطن»، تضم قائمة المدعين، أشخاصاً مجهولين أشير إليهم برمز «جون دو» للذكور و«جاين دو» للإناث، فضلاً عن أفراد آخرين من عائلات لبنانية مهاجرة، مثل بيضون وحمود وسمحات وحرب وغندور وهزيمة وجمول وصالح وشعيتو ومغنية وحجازي وأبو غيدا وغيرهم.
وقد أُحيلت القضية إلى القاضي الفدرالي تيرينس بيرغ، الذي عُيّن في منصبه من قبل الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما.
تحدي الاستثناء الإسرائيلي
بعد أشهر من جمع التقارير والبيانات، نقل الأميركيون من أصل لبناني، معركتهم إلى القضاء الفدرالي، مستندين إلى ACRL في التصدي لما يصفونه بـ«الاستثناء الإسرائيلي»، والفشل في إنفاذ قوانين حقوق الإنسان الأميركية، وغياب مساءلة الشركات عن تدمير ممتلكات المواطنين الأميركيين في لبنان.
وكانت ACRL قد أعلنت منذ أبريل الماضي أنها تحضّر دعوى جماعية باسم أميركيين متضررين من العمليات الإسرائيلية في لبنان. وبحسب ما أعلنته الرابطة حينها، كان فريقها لا يزال يجمع المدعين ويوثّق الخسائر تمهيداً للمسار القضائي.
وخلال المؤتمر الصحفي، قال بيضون إن «هذه القضية أكبر من لبنان وأكبر من إسرائيل وأكبر من الإدارات الأميركية المتعاقبة، إنها قضية ما إذا كان القانون مازال يعني شيئاً في الولايات المتحدة».
وأضاف: «لقد شاهد المواطنون الأميركيون، المنازل التي قضت عائلاتُهم حياتها وهي تحاول أن تبنيها، تُهدّم أمام أعينهم»، مطالباً القضاء بإنصافهم.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي حضره بعض المدعين في القضية، انتقد مؤسّس ACRL والمحامي الرئيسي في الدعوى، نبيه عيّاد، وزير الخارجية الأميركي مطالباً إياه بالقيام بواجبه في تطبيق قانون ليهي استناداً إلى تلقيه مئات التقارير الموثّقة التي تشير إلى حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان على يد وحدات عسكرية إسرائيلية.
ودعا عياد، القضاء الأميركي للوقوف إلى جانب المواطنين الذين يواجهون هذه الكارثة المستمرة، قائلاً «العالم يراقبنا».
وجاء في نص الدعوى الفدرالية أن الحظر الذي يفرضه قانون ليهي «قطعي ومطلق، ولا يجوز تقديم أي مساعدة» لمثل هذه الوحدات العسكرية، ما لم يتم تقديم تقرير يفيد بأن الدولة المعنية تتخذ خطوات فعالة لتقديم تلك الوحدات إلى العدالة.
كما ذكرت ACRL في نص الدعوى أنه «على مدار تاريخ قانون ليهي الممتد لنحو 27 عاماً، لم تقرر وزارة الخارجية قط، عدم أهلية أي وحدة إسرائيلية لتلقي المساعدة».
وفي السياق، قالت المديرة التنفيذية للرابطة الحقوقية مني بري–حراجلي، إنه «لا يمكن أن يكون هناك معيار واحد لبقية العالم ومعيار آخر لإسرائيل»، مؤكدة أن القضية تتمحور حول سؤال أساسي: «هل الغرض من قوانين الولايات المتحدة هو تطبيقها بالتساوي، أم أن إسرائيل تحظى بمعاملة استثنائية؟»
واعتبرت الدعوى أن الحكومة الأميركية تمتلك «معلومات موثوقة ووفيرة» تؤكد ارتكاب وحدات عسكرية إسرائيلية لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك، الإبادة الجماعية. ورغم توفر هذه المعلومات، تشير الدعوى إلى أن «الولايات المتحدة لم تعلق المساعدة لأي وحدة إسرائيلية»، مستدركة بأن وزارة الخارجية وافقت على العديد من الصفقات دون تردد، رغم التقارير المتواترة عن انتهاكات حقوق الإنسان من منظمات مرموقة مثل «هيومان رايتس ووتش» و«العفو الدولية».
وللدلالة على الوحشية الإسرائيلية، ذكرت الدعوى تصريحات أدلى بها الرئيس دونالد ترامب نفسه، في حزيران (يونيو) المنصرم حول التكتيكات الإسرائيلية المتبعة في لبنان، حين غمز من قناة الإسرائيليين بالقول: «ليس من الضروري هدم مبنى سكني في كل مرة تبحث فيها عن شخص ما؛ لأن هناك الكثير من الناس في تلك المباني السكنية، وليسوا جميعاً من حزب الله».
تورّط الشركات
تتضمّن الدعوى كذلك، اتهامات بالإهمال فيما يتعلق بمبيعات خاصة لمعدات عسكرية أميركية لإسرائيل من قبل شركات «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» و«كاتربيلر»، موضحة أن جيش الاحتلال دمر بلدات وقرى لبنانية «سواء باستخدام معدات البناء الصناعية –مثل الجرافات الثقيلة– أو باستخدام المتفجرات الموجهة والألغام المُعدَّلة».
وادعت الدعوى أن شركة «بوينغ» تُعد «أكبر مورد للذخائر من حيث الحجم لإسرائيل»، كما أصبحت –إلى جانب شركة «لوكهيد»– متعاقداً في صفقة بقيمة 3.8 مليار دولار لتوريد مروحيات «أباتشي» وتقديم «الدعم المرتبط بها لإسرائيل».
وذكرت الدعوى أن شركة «لوكهيد» وفّرت جزءاً كبيراً من منصات الطائرات الإسرائيلية، كما أنها «تقدم الدعم الحيوي للمهام والبرمجيات والتدريب وخدمات الصيانة والمكونات لأنظمة الصواريخ والمنصات المشتركة الإسرائيلية، مثل أنظمة أباتشي».
ووفقاً للدعوى، فقد زوّدت شركة «كاتربيلر» إسرائيل بجرافات وقطع غيار ودعم ذي صلة، استُخدمت في «إغلاق الأنفاق، وتمهيد الطرق، وإزالة الألغام، ولكن أيضاً في هدم منازل المدنيين».
وقد أرفقت الدعوى بتقارير أممية وحقوقية وصحافية عن ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي المنافية لقوانين حقوق الإنسان، مثل استخدام الفوسفور الأبيض، واستهداف المسعفين والصحافيين، والغارات على المناطق السكنية، وتفجيرات أجهزة الاتصالات (البايجر) في أيلول 2024، والغزو البري وتدمير المنازل، والاعتداءات التي استمرت بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024.
وتكتسب عمليات الهدم أهمية خاصة لأن جزءاً من المدعين لا يقول إن منزله دُمّر في غارة خلال معركة، بل بعد دخول القوات الإسرائيلية وسيطرتها على المنطقة ووضع المتفجرات أو استخدام الجرافات الأميركية الصنع.
وتقول الدعوى إن جرافات «كاتربيلر»، ولا سيما الجرافات من طراز D9، يستخدمها الجيش الإسرائيلي على نطاق واسع ويستفيد من قطع الغيار والدعم التقني الذي توفره الشركة الأميركية لعمليات الهدم في جنوب لبنان مما يجعلها جزءاً من عملية تدمير الممتلكات التي طالت المدعين.
من ملف الدعوى
على مدخل منزل عباس حمود في بنت جبيل كانت هناك لافتة تحمل اسم والده نسيم. بنى عباس المنزل وكرّسه لذكرى الأب الذي توفي في السادسة والأربعين، بعدما أمضت والدته سنوات في تربية أولادها في شقة من غرفة واحدة. صار المنزل لاحقاً مكان إقامة عباس وزوجته وابنه البالغ تسع سنوات، ومكاناً تجتمع فيه العائلة.
وبحسب الدعوى، انتهى كلّ ذلك في 18 نيسان 2026. حين دخلت قوات إسرائيلية، الحي سيراً على الأقدام، وحاصرت العقار، ووضعت عبوات حول المنزل ثم فجّرته بالكامل. لم يكن أفراد العائلة داخله حينها. وبعد يومين، تكرر المشهد، وفق الرواية نفسها، مع منزل مواطن أميركي آخر في بنت جبيل: دخول للقوات، تطويق للمنزل، زرع للمتفجرات ثم تفجيره.
في عيناتا، مثلاً، تورد قصة جهاد كمال سمحات، وهو مواطن أميركي عمل أكثر من 15 عاماً في إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة مع الأمم المتحدة. ورث مع إخوته عقارين عن والديه في حي السنّاسل في البلدة. وتقول المسودة إن أحد المنزلين سبق أن شهد استشهاد عمه محمد حمودي، وهو أيضاً مواطن أميركي وموظف فدرالي سابق، بغارة إسرائيلية في حرب تموز 2006 قبل إعادة بنائه.
وفي رامية، تقول الشكوى إن القوات الإسرائيلية استخدمت، في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، متفجرات موضوعة يدوياً ومعدات ثقيلة وجرافات لهدم الأبنية، وإن منزل المواطن الأميركي ستيف صالح كان من بينها.
أما في حاصبيا، فتكتسب إحدى الحالات أهمية إضافية لأنها تقترب أكثر من قلب الحجة ضد الشركات الأميركية. أنور أبو غيدا، وهو مواطن أميركي يملك منتجعاً سياحياً استهدفته غارة إسرائيلية في 25 أكتوبر 2024 بينما كان صحافيون يقيمون فيه. وقتل ثلاثة صحافيين وأصيب أربعة. وتقول الدعوى إن أبو غيدا أعاد ترميم المكان قبل أن يُستهدف مرة أخرى في آذار (مارس) 2026 ويُدمّر مجدداً.
وفي هذه الحالة تحديداً، لا تكتفي الوثيقة برواية المدعي. فقد حققت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في غارة أكتوبر 2024، وزارت الموقع ودرست بقايا الذخيرة، وخلصت إلى أن القنبلة كانت مجهزة بنظام توجيه من نوع JDAM أميركي الصنع، وأن أجزاءً عُثر عليها تتوافق مع أنظمة «بوينغ».







Leave a Reply