إبتسام خنافر
جاء شخص إلى ديربورن يريد أن تلتفت إليه المدينة، فالتفت إليه العالم.
خلال أيام قليلة، امتلأت الهواتف بالتسجيلات والتحذيرات والمنشورات والتعليقات. مسؤول يتحدث، وإعلامي يتحدث، وناشط يسجل موقفاً، وآخر يعيد نشر ما قيل، ثم يدخل آخرون إلى المشهد ليكرروا الرسالة نفسها: لا تعطوا الأمر أكبر من حجمه.
وفي كل مرة قيلت فيها هذه العبارة، كان حجمه يكبر.
من لم يكن يعرف القصة فقد عرفها، ومن لم يكن مهتماً بها سأل عنها، ومن يعيش على بعد آلاف الأميال من ديربورن شاهد وقرأ وسمع. هكذا تحولت حكاية كان يمكن أن تبقى محدودة، إلى حديث تجاوز المدينة وميشيغن ووصل إلى أماكن مختلفة من العالم.
وهنا يصبح السؤال أهم من الشخص نفسه: كيف يستطيع فرد واحد أن يحصل على كل هذه المساحة من انتباه الناس؟ الإجابة ليست عنده وحده، فهي عندنا أيضاً.
من الطبيعي أن تحذر الجهات المسؤولة الناس عندما يستدعي الأمر ذلك، ومن واجب الإعلام أن ينقل المعلومة، ومن حق المجتمع أن يعرف ما يجري حوله. تصل الرسالة، يأخذ الناس احتياطاتهم، وتقوم المؤسسات بعملها، ويستمر اليوم كالمعتاد.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح لكل تسجيل، تسجيل مضاد، ولكل منشور، عشرات المشاركات، ولكل تعليق، سلسلة لا تنتهي من الردود… عندها، يجد الباحث عن الشهرة نفسه، أمام جمهور أكبر بكثير مما كان يتخيل.
فالباحث عن الشهرة لا يحتاج إلى محبة الناس وتقديرهم، بل يكفيه انشغالهم به فقط. فغضبنا يمنحه مشاهدة، وردنا عليه يمنحه انتشاراً، وتشارك مقطعه من باب السخرية يفتح له باباً إلى جمهور جديد. وحتى عندما ننشر صورته لنقول للناس «لا تعطوه أهمية»، نكون قد عرّفنا به أشخاصاً لم يكونوا قد سمعوا به قط.
هذه هي المفارقة في عصر التواصل الاجتماعي. لم تعد الشهرة تحتاج دائماً إلى إنجاز أو موهبة أو سنوات من العمل. أحياناً يكفي استفزاز ناجح، وهاتف يصور، وجمهور يتولى مهمة النشر مجاناً.
نحن نصور وننشر ونعلّق ونتجادل ثم نستغرب كيف أصبح شخص ما مشهوراً.
وهذه ليست حكاية ديربورن وحدها. إنها حكاية تتكرر في العالم كله. شخص مجهول في شارع يمكنه خلال ساعات أن يصبح حديث القارات السبع.
فالناس بطبيعتها تميل إلى التضخيم. تضخّم حدثاً حتى يصبح قضية، واسماً حتى يصبح ظاهرة، ومنصباً حتى يبدو أكبر بكثير من وظيفته الفعلية.
وربما ننسى وسط كل ذلك حقيقة بسيطة: لكل كبير من هو أكبر منه، وكل منصب رفيع يشغله اليوم أحدهم سيشغله شخص آخر غداً.
كم من أسماء كانت في زمن ما تملأ الشاشات والمجالس، ثم مضى الزمن وجاءت أسماء أخرى. وكم من شخص ظن الناس يوماً أنه لا يُستبدل، ثم استمرت الحياة من بعده بصورة طبيعية جداً.
هكذا تسير الحياة. الأضواء تتحرك، والمواقع تتغير، والوجوه تتبدل. لكل زمن أسماؤه، ولكل مكان أشخاصه، ولا أحد يحتكر اهتمام الناس إلى الأبد.
وربما لهذا لا تستحق الشهرة كل هذا الركض، ولا يستحق المنصب كل هذه الهالة، ولا يستحق أي شخص أن نرفعه في أذهاننا إلى درجة ننسى معها أننا نحن من أعطيناه جزءاً كبيراً من هذا الحجم.
وهنا نعود إلى ديربورن.
ما حدث فيها يقدم مثالاً واضحاً على قوة الانتباه. شخص يبحث عن مساحة، فوجد مساحة أكبر مما توقع. وكلما اتسعت دائرة الحديث عنه، اتسعت المساحة التي حصل عليها.
لا يعني ذلك أن نتجاهل ما يمس سلامة الناس. تقوم الجهات المعنية بواجبها، ويقوم الإعلام بمسؤوليته، وتصل المعلومة إلى المجتمع. وبعد ذلك، لا يحتاج كل شخص إلى تسجيل موقف، ولا يحتاج كل استفزاز إلى مئات الردود.
فالضجة لا يصنعها صاحبها وحده. هي تحتاج إلى من ينقلها، ومن يكررها ومن يغضب منها ومن يرد عليها ومن يبقيها حيّة… وربما هذا هو الدرس الأهم مما شهدناه: أن نعرف قيمة انتباهنا قبل أن نمنحه لأحد.
ديربورن أكبر من أن يستطيع شخص يبحث عن الضوء أن يحدد لها موضوع يومها، والعالم أكبر من أن نسمح لكل من يعرف كيف يستفز الناس أن يحتل شاشاته.
فلا الشهرة تدوم ولا المنصب يدوم ولا الأضواء تبقى في مكان واحد.
لكل كبير من هو أكبر منه، ولكل ضوء لحظة ينطفئ فيها. ويبقى السؤال في المرة المقبلة التي يظهر فيها شخص يريد أن يصبح حديث مدينة أو عالم: هل يستحق فعلاً كل هذه المساحة، أم أننا نحن من نصنعها له؟ فالباحث عن الضوء يستطيع أن يقف على المسرح… ونحن من نقرر إن كان سيجد جمهوراً.





Leave a Reply