إبتسام خنافر
كان خبز الصاج خبزاً، والكبة غداءَ يوم الأحد، وجرّة الماء في زاوية البيت لم تكن قطعة تراثية، وشجرة التين في الحاكورة لم تكن خلفية لصورة. كان كل شيء طبيعياً، قريباً، مألوفاً إلى درجة أننا لم نفكر يوماً في أننا قد نشتاق إليه. لم نكن نسميه تراثاً. كنا نسميه البيت.
كانت القرية تستيقظ على أصواتها وروائحها. رائحة القهوة، خبز الصباح، صوت أم تنادي من شباك إلى شباك، رجل عائد من الأرض، امرأة تفرش الزعتر، وأولاد يعرفون أي شجرة تين تثمر قبل غيرها. كانت «المونة» تمتلئ بهدوء، والزيت يأتي من زيتون الأرض، والوصفات تنتقل من أم إلى ابنتها من دون دفاتر ولا مقادير. حفنة من هنا، ورشّة من هناك، واليد تعرف وحدها متى يكفي الملح ومتى ينضج العجين. كانت الخبرة هي المقياس، والذاكرة هي كتاب الوصفات.
كبرنا، وكبر معنا حلم الحياة الأخرى. دخل الجديد إلى بيوتنا، وأصبح كل ما يأتي من بعيد أجمل في أعيننا. أردنا المدينة والمطاعم الحديثة والحياة الأسرع. ذهبنا إلى البيتزا والبرغر، وبدأت الكبة وورق العنب وخبز الصاج تبدو كأنها تنتمي إلى زمن علينا أن نتجاوزه. حتى كلمة «بلدي» لم تكن دائماً مديحاً. كنا نركض إلى الأمام، وكلما ركضنا أسرع، تركنا شيئاً وراءنا.
أخذتنا الطرق بعيداً. توزعت العائلات في بلاد العالم، وكبر أولاد لم يعرفوا القرية إلا من حكايات أهلهم وصور الصيف. وهناك، بعيداً عن شجرة التين والحاكورة ورائحة التنور، حدث شيء غريب: بدأنا نبحث عن كل ما تركناه.
صرنا نسأل عن زيت «مثل زيت البلد»، وزعتر «مثل زعتر الضيعة»، وخبز يشبه خبز أمهاتنا. عادت الكبة إلى صدر المائدة، وعاد ورق العنب، وعاد الصاج، وعادت «المونة». وما كان يوماً «أكل ضيعة» أصبح اليوم عنواناً للأصالة، وما كان عادياً أصبح يستحق التصوير والاحتفال. حتى كلمة «بلدي» أصبح لها بريقٌ، وباتت وحدها كافية لرفع قيمة أي شيء.
وكأننا احتجنا إلى أن نفقد الأشياء قليلاً كي ندرك قيمتها.
حتى البيت الحجري عاد إلينا بصورة مختلفة. ذلك البيت الذي كان أهله يتمنون له شبابيك أحدث وسقفاً أفضل ودفئاً أكثر، أمسى اليوم حلماً. نبحث عن الحجر القديم والقنطرة والباب الخشبي والجرّة والصاج. الجد كان يريد أن يغيّر الباب، والحفيد يدفع اليوم ليعيده كما كان. نريد الحطب، من دون دخانه، والأرض من دون تعبها، وموسم الزيتون من دون وجع الظهر، وبيت الضيعة بكل تفاصيله القديمة، على أن تتوافر فيه كل وسائل الراحة الحديثة.
هنا تصبح الحكاية ساخرة من تلقاء نفسها.
هربنا من أشياء كثيرة لأنها ذكّرتنا بالماضي، ثم عدنا إليها عندما أصبحت «بريستيج». أكلات كانت تُحضّر لأن الأرض أعطت أهلنا هذه المكونات، أصبحت تقدم اليوم على موائد أنيقة بوصفها تجربة تراثية. أدوات كانت في بيوت أجدادنا من باب الحاجة، نضعها اليوم في بيوتنا من باب الذوق. ما حاول جيل أن يتركه وراءه، جاء جيل آخر يبحث عنه بشغف.
والأغرب أن الطعم نفسه يتغير عندما نبتعد. فالتبولة في القرية كانت طبقاً على المائدة، وفي الغربة قد تصبح قطعة صغيرة من الوطن. رائحة القهوة قد تفتح فجأة باب بيت لم ندخله منذ ثلاثين سنة. لقمة زعتر قد تعيد صباحاً كاملاً، ووجوهاً غابت، وصوت أم أو جدة كانت تقول: «كُل قبل ما يبرد».
سافر التراث معنا من دون أن ننتبه. لم يسافر في الحقائب فقط. سافر في أيدي الأمهات، في الوصفات التي لم تُكتب، في الأغاني والأعراس واللهجة، وفي طريقة استقبال الضيف، وفي طبق إضافي يوضع على المائدة لأن «يمكن يمرق حدا». حملناه معنا حتى في السنوات التي كنا نظن أننا نهرب منه.
ويبقى السؤال: ماذا نريد أن ننقل منه اليوم؟
فالجرّة وحدها لا تحكي الحكاية، والصاج وحده لا يصنع ذاكرة، وصحن الكبّة لا يكفي ليعرف أولادنا من أين جاؤوا. وراء كل هذه الأشياء أناس عاشوا وتعبوا وأحبوا وهاجروا وانتظروا. وراء رغيف الخبز يد امرأة، ووراء قنينة الزيت موسم كامل، ووراء البيت الحجري عائلة لها ضحكاتها وخصوماتها وأسرارها ووداعاتها.
هناك يصبح التراث أكبر من الطعام والحجر والصورة. يصبح حكاية ناس.
وربما هذا ما نبحث عنه كلما عدنا إلى تلك الأشياء القديمة. لسنا نبحث عن الصاج وحده، ولا عن الجرّة، ولا حتى عن طعم الكبّة كما كان. نحن نبحث عن زمن كان فيه أشخاص نحبهم ما زالوا جالسين حول المائدة.
وربما لهذا السبب، كلما ابتعدنا أكثر، عدنا أكثر.
فالتراث ليس ما تركناه وراءنا. التراث هو ذلك الشيء الذي اكتشفنا، بعد كل هذا السفر، أنه لن يتركنا أبداً.






Leave a Reply