محمد العزير
كعادتها آخر كل صيف، فتحت مدينة نيويورك هذا الأسبوع، أبوابها لقادة العالم ومسؤوليه لتفتتح فصل الخريف كعاصمة أممية تحضر فيها كل القضايا السياسية والأمنية والإقليمية، وتشهد أروقة فنادقها ومقرات البعثات الدبلوماسية وبيوت الضيافة فيها، لقاءات علنية وسرية تتراوح اهتماماتها بين علاقات ثنائية بين دولتين ومناقشة المستجدات والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، فيما تتحول المنصة الرئيسة في قاعة الأمانة العامة في مبنى مقر الأمم المتحدة المطل على النهر الشرقي في مانهاتن، إلى أكبر منبر خطابي يتوالى عليه الملوك والرؤساء والوزراء، وكلٌّ في جعبته ما يقوله للحاضرين وللعالم أجمع.
والملفت في هذا التقليد السنوي، الذي فقد في العقدين الأخيرين، الكثير من رونقه، أنه عندما يحصل، وعلى رغم الروتين وانخفاض سقف التوقعات، يعيد التأكيد على بديهية وجود كيان عابر للدول والتحالفات يمكن لدول العالم أن تلتقي في إطاره، وعلى أهمية بقاء هذه المساحة من التواصل، والتي تشكل ملاذاً دبلوماسياً آمناً لتبادل الآراء والأفكار وإعلان المواقف، مهما بلغت عبثية الدولة المضيفة التي تحولت خلال عقود قليلة من عرّابة هذه المؤسسة الفريدة، وقابلتها القانونية التي أشرفت على ولادتها نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى أكبر خصم لوجودها وأشد الدعاة حماساً إلى إلغائها مع كل مفاعيلها، دون أن تقدم أي بديل ممكن أو اقتراح يرقى إلى مستوى الأزمات التي يواجهها العالم، والتي تتسبب الدولة المضيفة بالكثير منها.
ومن المفارقات التي شهدتها الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن يقف على منبرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بنى الكثير من رصيده الشعبوي على الدعوة إلى تحجيم المنظمة الدولية، وعمد منذ وصوله إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى ٢٠١٧، إلى الانسحاب من عدد من الوكالات والهيئات التابعة لها، ليطلب من دول العالم مساعدته للخروج من ورطته الإيرانية المؤرقة مع اقتراب الانتخابات النصفية، ويدعوها في الوقت نفسه إلى الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية التي تجرأت على إصدار مذكرات توقيف بحق صديقة الأزلي، وشريكه في الحرب على إيران رئيس الحكومة الفاشية في تل أبيب، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق يواف غالانت واتهامهما بارتكاب جرائم حرب في غزة.
بالطبع، لم يأت التحول الأميركي تجاه المنظمة الدولية مع ترامب، بل يعود إلى أيام رئاسة رونالد ريغان الذي اتخذ من شعار السيادة الأميركية منطلقاً للهجوم على الأمم المتحدة والتشكيك بمصداقيتها، والشكوى من هيمنة دول «العالم الثالث» على قراراتها، لتكون إدارته هي الأولى التي تخفض المساهمة المالية في المنظمة من ٢٥ إلى ٢٠ بالمئة عام ١٩٨٥، لكن الأمر لم يتوقف عند حد التمويل بل وصل إلى حد الانسحاب من منظمة اليونيسكو UNESCO، وفتح الباب أمام موجة شعبوية تسوّق لنظريات مؤامرة عن سعي الأمم المتحدة للسيطرة على أميركا.
وبعد حقبة من انخفاض التصويب الأميركي على الأمم المتحدة مع انتهاء الحرب الباردة، وفي عهدي جورج بوش الأب وبيل كلينتون، أعاد جورج بوش الابن عام ٢٠٠٣ التحريض عليها مع نائبه ديك تشيني وفريق المحافظين الجدد، بعد الفشل في الحصول على تفويض أممي لغزو العراق بحجة امتلاكه لأسلحة دمار شامل، حين شهد مجلس الأمن وقبله الجمعية العمومية أشهر السجالات الدبلوماسية والقانونية العلنية في القرن الحادي والعشرين بين وزير الخارجية في حينه الجنرال كولن بأول يؤيده وزير خارجية بريطانيا في حكومة توني بلير، جاك سترو من جهة، وبين وزيري خارجية فرنسا دومينيك دو فيلبان، وروسيا إيغور ايفانوف من الجهة المقابلة. وعمد بوش الابن إلى سحب عضوية واشنطن من المحكمة الجنائية الدولية ومن بروتوكول كيوتو للمناخ ومن معاهدة الصواريخ الباليستية ABM، كما ضخ من خلال خطبه ومواقفه، هو وأعضاء إدارته، المزيد من الماء في طواحين نظريات المؤامرة حول المنظمة الدولية.
لكن نكهة الدورة الحالية للأمم المتحدة تأتي مختلفة بعض الشيء، خصوصاً وأنها تأتي في ظل تحديات دولية وإقليمية قديمة ومستجدة لم تجد في المنحى المنفرد الذي «بشّر» به ترامب حلولاً أو علاجاً، من الجبهات الساخنة في فلسطين ولبنان واليمن والسودان وحرب إيران بامتداداتها الإقليمية المباشرة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، إلى الحرب المستدامة في أوكرانيا، إلى الفورات الأمنية والعسكرية في القارة السمراء، التي تجددت فيها الانقلابات والحروب الأهلية، إلى التوترات المتكاثرة في شرق آسيا من باكستان والهند إلى ميانمار إلى محيط الصين من تايوان إلى اليابان مروراً بكوريا الشمالية، وصولاً إلى الأميركيتين، وخصوصاً دول الكاريبي المنهكة أمنياً وإقتصادياً ودول الجنوب التي لا تجد أجيالها بديلاً عن الهجرة شمالاً والتي صارت أكثر كلفة وخطراً.
لم يكن في الدورة الحالية مشهد أكثر وضوحاً على أهمية الأمم المتحدة وضرورتها، من مشاركة ترامب وخطابه. فقد كان جلياً أن الحديث عن إيقاف ثمانية حروب والمطالبة بجائزة نوبل على أساس ذلك شيء، بينما حقيقة الوضع على الأرض شيء آخر. ففي خطابه الذي استغرق ٣٧ دقيقة، وطلب فيه مساعدة العالم له لوقف الحرب مع إيران، لم يتخل عن تهديداته المعتادة بإبادتها، وفي حديثه عن هيمنة واشنطن على النصف الغربي للأرض، متباهياً باختطاف رئيس فنزويلا السابق نيكولاس مادورو ومهدداً كوبا بمصير مشابه. وفي الشرق الأوسط، امتدح خطته لـ«السلام في غزة» وقد مضى على اتفاق وقف إطلاق النار سنة كاملة دون أن تلتزم به إسرائيل يوماً واحداً. ولم ينس ترامب في خطابه ترديد مقولاته الشعبوية عن التغير المناخي كخدعة ضم إليها مؤخراً المواقف المحذرة من مخاطر انفلات الذكاء الاصطناعي. الأمر الثابت في كل الخطاب هو أن ترامب منفصل عن الواقع وغير قادر إلا على التشويش والاستعراض.
إذا صحت التوقعات والاستطلاعات وتعرض حزب ترامب لهزيمة انتخابية قاسية في انتخابات نوفمبر القادم، فسيكون على العالم تحمل هذا النوع من الشطحات الترامبية لأن الرئيس سيتحول حسب الأدبيات الأميركية إلى «بطة عرجاء»، لكنه سيحتفظ بأكبر مكبّر صوت وأهمّ منصب في العالم، ولا أحد يمكنه التكهّن بما سيقدم عليه، لكنه بلا شك لن يتمتع بنفس قدر حرية الحركة التي يمنحها له الكونغرس الحالي بغالبيته الجمهورية، وستكون انتخابات الرئاسة المقبلة في خريف ٢٠٢٨، محور النقاشات والاهتمامات الداخلية والمتابعة الخارجية على مدار السنتين التاليتين. وستكون إحدى أهم أولويات الرئيس المقبل، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً، هي إستعادة أميركا لموقعها الدولي وإعادتها من غابة الفوضى التي خلقها ترامب، وذلك يتطلب أولاً وقبل أي شيء إعادة الاعتبار إلى الأمم المتحدة كمؤسسة دولية قادرة على التصدي للتحديات بكفاءة أكبر وهي تحديات تمتد من العداوات الإقليمية القديمة إلى آفاق الذكاء الاصطناعي المدهشة.
عندما أوشكت الحرب العالمية الثانية على نهايتها، كانت أميركا، كبيرة الحلفاء، تنظر إلى المستقبل بعين العقل، وكان تركيزها منصبّاً على إيجاد مؤسسة دولية توفر أرضية مشتركة للتعامل مع الأزمات والتحديات الدولية، وسبق لواشنطن مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨، أن ابتكرت مؤسسة شبيهة أسمها «عصبة الأمم» التي أبصرت النور عام ١٩٢٠ واتخذت من جنيف مقراً لها، لكن المماحكات السياسية الداخلية حرمت أميركا من عضوية المنظمة الوليدة، فيما أودت الأزمات الدولية، خصوصاً ما تسببت به دول المحور اليابان الإمبراطورية، إيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية بالمنظمة ككل، وكان على واشنطن في محاولتها الجديدة أن تتعلم من تجربة عصبة الأمم، ولذلك تم إنشاء مجلس الأمن والوكالات الدولية التابعة للأمم المتحدة والمصادقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويبدو الآن أن كل ذلك ينبغي أن يكون موضع مراجعة للتوصل إلى مؤسسة فعّالة وحيوية.






Leave a Reply