إبتسام خنافر
وأخيراً… انتهت الانتخابات، ولكن أحاديثها لم تنتهِ بعد. هناك من يحتفل بفوز مرشحه وكأنه هو الذي فاز، ومن لا يزال غير مصدق للنتائج، ومن يراجع الأرقام مرة بعد أخرى، وكأن شيئاً سيتغير إذا أعاد حسابها. وهناك من لم يصوّت أصلاً، لكنه أصبح فجأة محللاً سياسياً يعرف أسباب الفوز والخسارة، وما كان يجب على هذا المرشح أو ذاك أن يفعله. وفي البيوت والمقاهي وأماكن العمل، تستمر النقاشات، فصناديق الاقتراع أُغلقت، أما صناديق الكلام فما زالت مفتوحة، ويبدو أنها ستبقى كذلك لبعض الوقت.
أما المرشحون، فلهم حكاية مختلفة. تخيلوا شخصاً أمضى شهوراً يتنقل من مكان إلى آخر، يطرق الأبواب، ويصافح الناس، ويحضر المناسبات، ويبتسم للكاميرات، ويكرر وعوده حتى أصبح يحفظها عن ظهر قلب. ثم تأتي ليلة الانتخابات، ويجلس يراقب الأرقام، مرة يتقدم ومرة يتراجع، والهاتف لا يتوقف عن الرنين، وكل اتصال يحمل خبراً أو توقعاً جديداً. وفجأة تنتهي ساعات الانتظار، ويُعلن فوزه. في لحظة واحدة تتغير حياته، وتبدأ التهاني والاتصالات والصور، ويظهر أصدقاء لم يسمع عنهم منذ سنوات، وربما يؤكد بعضهم أنهم كانوا يعرفون منذ البداية أنه سيفوز!
لكن بعد أن تهدأ الاحتفالات، تبدأ قصة أخرى. فمن كان يطلب أصوات الناس أصبح مسؤولاً عن مطالبهم، بمن فيهم الذين لم يصوّتوا له. والذين كانوا يصافحونه ويشجعونه خلال حملته سيعودون إليه بأسئلة مختلفة. ماذا عن الشوارع؟ وماذا عن المدارس؟ وماذا عن المشاريع التي وُعدنا بها؟ حتى الحفرة الموجودة في أحد الشوارع منذ سنوات قد تصبح فجأة مسؤوليته، وربما يسمع من يقول له: «انتخبناك حتى تصلحها!»، مع أنه لم يمضِ على فوزه سوى أيام قليلة.
والأمر لا يتوقف عند الوعود التي أطلقها بنفسه. فهناك ملفات قديمة تنتظره، ومشاريع بدأها غيره ولم تكتمل، ومشكلات تراكمت على مدى سنوات. سيجد نفسه مطالباً بحلها، حتى لو لم يكن له أي دور في حدوثها. فالناس لا يهمهم من تسبب بالمشكلة، بقدر ما يهمهم من سيحلها. وهكذا يرث الفائز المنصب، ويرث معه هموم الناس وأخطاء من سبقوه، وربما بعض الوعود التي لم يسمع بها من قبل.
أما حياته الشخصية، فلن تبقى كما كانت. سيصبح تحت الأنظار، وكل كلمة يقولها قد تُفسر بأكثر من معنى. إذا حضر مناسبة سيسأل البعض عن سبب حضوره، وإذا غاب سيسأل آخرون لماذا لم يحضر. وحتى الأشخاص الذين كانوا يلتقونه من دون موعد قد يضطرون الآن إلى الاتصال بمكتبه وانتظار دورهـم…
وفي مكان آخر، هناك مرشح لم يحالفه الحظ. بعد شهور من الحركة واللقاءات والاجتماعات، يستيقظ على يوم هادئ أو على الأقل، أكثر هدوءاً مما كان يتمنى. لا اتصالات ولا مواعيد انتخابية ولا أحد ينتظره ليلقي خطاباً. يعود إلى حياته، وربما يحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد هذا الهدوء. بعض المرشحين يتقبل الخسارة ويمضي، وبعضهم يبدأ منذ اليوم الأول بالتفكير في الانتخابات المقبلة. ومن يدري، فقد يكون الخاسر اليوم فائزاً في دورة لاحقة.
وأما الناس، فبعد أيام من الحديث عن النتائج، يعود كل واحد إلى مشاغله. صاحب المحل ينتظر تحسن حركة البيع، والعامل يفكر في أفضل مقاربة للمطالبة بزيادة راتبه، والأهل يحسبون مصاريف البيت بالورقة والقلم، والخريجون ينتظرون فرص العمل.
فالأسعار لا تسأل المواطن لمن صوّت، والحفرة في الشارع لا تعرف إن كان من يمرّ فوقها مؤيّداً أو معارضاً، فالخدمات يحتاجها الجميع، حتى أولئك الذين لم يشاركوا في الانتخابات.
في المقاهي، ستستمر النقاشات. يجلس صديقان اختلفا طوال الحملة الانتخابية، ومازال كل منهما متمسكاً برأيه، وكأن الانتخابات لم تنتهِ بعد. يتنقل الحديث بين العمل والأسعار وأخبار العائلة، حتى يتفق الاثنان أخيراً على أن الحياة أصبحت أكثر كلفة، وأن هناك أموراً كثيرة تحتاج إلى إصلاح، بغض النظر عن اسم الفائز.
وبعد أيام، ستختفي لافتات المرشحين من الشوارع، وتُنسى بعض الشعارات، وعلى الأرجح لن يتذكر الناس معظم ما قيل خلال الحملات الانتخابية. لكنهم بالتأكيد لن ينسوا همومهم ومطالبهم التي سيستمرون بملاحقتها في صناديق الاقتراع عند كل استحقاق.
وبينما يعود الناخب إلى حياته المعتادة، يبدأ الفائزون حياة مختلفة، فيها مسؤوليات أكثر، ووقت أقل، وعيون تراقب كل خطوة… وحسابات وطموحات وتطلعات سياسية إلى ما هو أبعد.
و بعد أن ينتهي الفائز من استقبال المهنئين، سيجلس أخيراً في مكتبه الجديد، وينظر إلى الملفات المتراكمة أمامه، فيدرك أن أصعب ما في الانتخابات لم يكن الفوز بها، وأن رضا الناس غاية لا تدرك.
فالفوز يُحسم بالأصوات، أما ما يأتي بعده، فلا تحسمه إلا الأيام والعمل.





Leave a Reply