محمد العزير
عندما نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصة «تروث سوشال» التي يملكها، الثلاثاء الماضي، تهديداً مباشراً لإيران بمحوها من الوجود، فاجأ حتى المقربين منه والداعمين له وكل الذين ظنوا أنه لم يعد في مقدوره أن يدهش أحداً. قال ترامب في تهديده: «حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود للحياة مجدداً أبداً، أنا لا أرغب في حدوث ذلك، ولكن من المرجح أنه سيحدث. ومع ذلك، وبما أننا نشهد الآن تغييراً كاملاً وشاملاً للنظام –حيث تسود عقول مختلفة، وأكثر ذكاءً، وأقل تطرفاً– ربما يحدث شيء رائع وثوري؛ مَن يدري؟ سنكتشف ذلك الليلة، في واحدة من أهم اللحظات في تاريخ العالم الطويل والمعقد. إن 47 عاماً من الابتزاز والفساد والموت ستنتهي أخيراً. فليبارك الله شعب إيران العظيم!».
سبق لترامب قبل يومين، وفيما كان العالم يحتفل بعيد الفصح، التفوّه بتهديد آخر إستخدم فيه كلمة معيبة وجاء فيه: «سيكون يوم الثلاثاء (السابع من أبريل، على وجه التحديد) يوم محطات الطاقة، ويوم الجسور، وكلاهما مدمج في يوم واحد، في إيران، لن يكون هناك شيء يضاهي ذلك!!! افتحوا المضيق «اللعين» يا أيها الأوغاد المجانين، وإلا فستعيشون في الجحيم– فقط ترقبوا! والحمد لله». (وهنا استخدم كلمة الله كما تنطق بالعربية).
بعيداً عن ردود الفعل المحلية والدولية الرافضة لهذا المنطق وهذه المقاربة الرعناء لمشكلة عويصة في المنطقة الأكثر حساسية في العالم، وخصوصاً ما صدر عن أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس ورأس الكنيسة الكاثوليكية البابا الأميركي الأصل ليو الرابع عشر، ومنظمة العفو الدولية التي قالت إنه «يكشف عن مستوى مذهل من القسوة واللامبالاة تجاه حياة البشر»، ورأت أن «الأمر أكثر رعباً حين يقترن بتهديداته الصريحة بشن هجوم مباشر على البنية التحتية المدنية»، وغيرها من المواقف المنددة والرافضة، من المهم الإشارة إلى أن كلاماً كهذا، على فظاظته و«بلطجته»، ليس جديداً في عالم السياسة بل يندرج في خانة «نظرية المجنون» Madman Theory، وأشهر من استخدمها من الرؤساء الأميركيين هو ريتشارد نيكسون، الأكثر شبهاً بترامب.
تقوم هذه النظرية في السياسة الخارجية، على أساس اتخاذ المسؤول الأول قرارات توحي بـ«التصرف بشكل غير عقلاني أو متقلب أو غير متوقع، بهدف إقناع الخصوم باحتمال إقدامه على اتخاذ إجراءات متطرفة وغير عقلانية –كإشعال حرب نووية– مما يضطرهم بالتالي إلى تقديم تنازلات»، وهو ما أقدم عليه نيكسون عام 1969، عندما أطلق عملية «الرمح العملاق» ضد الفيتكونغ في فيتنام ليوحي باستعداده لأي شيء بناء على مشورة هنري كيسينجر الذي كان يشغل في حينه منصب مستشار الأمن القومي. وقد وثّق كبير هيئة موظفي البيت الأبيض هاري روبنز هالدمان، تلك الحقبة في كتاب بعنوان «غايات السلطة» The Ends of Power الصادر عام 1978، والذي ورد فيه المصطلح للمرة الأولى.
ينقل هالدمان عن نيكسون الذي وعد في حملته الرئاسية بإنهاء حرب فيتنام قوله: «أريد أن يعتقد الفيتناميون الشماليون أنني قد بلغت مرحلةً قد أقدم فيها على فعل أي شيء لوقف الحرب»، هكذا نقل عن نيكسون قوله لأحد كبار مساعديه. فقد كان يعتزم تقمّص دور ما يشبه «الغول» العصري –على حد تعبير الرئيس نفسه– شخصيةً «مهووسة» و«غاضبة» ولا يمكن «كبح جماحها». وكما علّق كيسنجر، فإن استراتيجية نيكسون كانت تشبه لعبة البوكر، إذ كان «يقامر بكل رصيده»، لدرجة تجعل خصوم الولايات المتحدة يظنون أن الرئيس قد «فقد صوابه».
أوجه الشبه بين نيكسون وترامب لا تقتصر على اعتماد هذه السياسة بل تتعداها إلى الظروف المحيطة بالرجلين، فهما كانا منغمسين في فضائح مسلكية وقانونية، ومتورطين في حروب كبيرة. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن نيكسون كان أول من شجع ترامب على تجربة حظه في مضمار الرئاسة قبل عقود من دخول الأخير معترك السياسة، ربما لأنه توسّم فيه مواصفات كافية لتطويع النظام. لكن «نظرية المجنون» ليست الوحيدة التي استعارتها السياسة من الاقتصاد، والتي يعتمدها ترامب، فإلى جانبها تبرز نظرية أخرى من المصدر نفسه وهي نظرية «الأفعال العشوائية» Randomized Acts والتي تقوم على المبادرة إلى أفعال تبدو في ظاهرها عشوائية لقياس ردود الفعل عليها ومراقبة كيفية التعامل معها من قبل الأطراف المقابلة، وتكون فيها حسابات الربح أو الخسارة متعادلة وتتوقف على نتائج التجربة. وتستخدم هذه المقاربة في كثير من الحالات وليس في النزاعات فقط، حيث تعتمدها بعض الدول لتحديد طرق التفاوض أو تقديم المساعدات كما تستخدم في المجال الإنساني لرسم خطط التلقيح ضد الأوبئة والأمراض المعدية.
يستخدم ترامب هذه السياسة كثيراً في الداخل والخارج، ويلاحظ المتابع لهوس ترامب بضم غرينلاند وكندا والسيطرة على أميركا الوسطى والجنوبية وهجماته المتكررة على حلف شمال الأطلسي، أنه يسرف في اعتماد ذلك، وكان ملفتاً جداً أن ترامب سارع فور الإعلان عن الوقف المؤقت لإطلاق النار مع إيران، إلى تجديد هجومه على حلف الناتو بالقول على منصته وبالأحرف الكبيرة: «لم يكن حلف الناتو موجوداً حين احتجنا إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً. تذكروا غرينلاند؛ تلك الكتلة الجليدية الضخمة التي تُدار بشكل سيء!». بالطبع يقرن ترامب بين استخدامه للعشوائية وبين نظرية «الإغراق الإعلامي» Flood the Zone، حين يعمد إلى اتخاذ مواقف صادمة أو من خارج السياق بشكل متسارع يحرم المتابعين من فرصة تحليل أي موقف أو البناء على أي حالة، لأنه يكون عليهم أن ينتبهوا لحالة جديدة تأخذهم إلى مكان آخر، وبطبيعة الحال حين يكون الفاعل رئيساً لأكبر اقتصاد في العالم، وقائداً لأقوى جيش، وزعيماً لأكثر الدول نفوذاً، يكون الانتباه إلى ما يقوله ضرورياً، دون أن يعني ذلك إن ذلك الانتباه يغير من الأمر شيئاً.
ربما أنه من حسن الطالع لأميركا أن ترامب مبتلٍ بالنرجسية، وحديث العهد بالسياسة، وخلفيته الفكرية تضاهي قدرته على التركيز ضحالة وهزالاً، فهو على الأرجح لن يؤثر في مسار أميركا بالعمق الذي حققه موسوليني في إيطاليا أو هتلر في ألمانيا، ولن تكون حركته الشعبوية MAGA قادرة على البقاء من بعده، مثلما بقيت الفاشية أو النازية، ومما يزيد هامشية أثر ترامب لاحقاً، أنه ليس ابن المؤسسة السياسية مثل نيكسون أو غيره من الرؤساء الفاسدين، ولذلك اكتسب في سوق المال وعن جدارة، بسبب اعتماده الجنون والعشوائية في مسألة الرسوم الجمركية، لقب الرئيس «تاكو» وهي الأحرف الأولى من عبارة «ترامب دائماً يجبٌن كدجاجة» باللغة الإنكليزية Trump Always Chickens Out، ففي كل مرة كان يعلن فيها فرض رسوم جمركية كان يتراجع عنها بسرعة بسبب ردود الفعل السلبية في الأسواق.
ذلك بالطبع لا يعني أن ترامب حالياً لا يمعن في «بهدلة» النظام العالمي و«شرشحة» أميركا في العالم، لا لشيء سوى أنه الرئيس الذي اختارته أميركا البيضاء، المصرة على أصلها المسيحي الأوروبي، رئيساً مرتين، والمعضلة الحقيقية التي تواجه العالم أن قادة وأنظمة الدول المناوئة لأميركا، ليست في حال أفضل، سواء روسيا الغارقة في أوكرانيا، أو الصين المهووسة بتايوان، أو إيران الساعية إلى القرون الوسطى بحماس منقطع النظير. لكن ما ينبغي الإنتباه إليه في هذه اللحظة هو أن ترامب نجح موضعياً في فرض شروطه على إيران، وفي ذلك خطر من مزاجيته التي قد تقوده إلى أزمة جديدة في منطقة أخرى… ربما غرينلاند، أو كوبا!







Leave a Reply