إبتسام خنافر
حتى لو حملت الاسم نفسه، ليست كل الحروب متشابهة. فالحرب العالمية الأولى لم تكن كالثانية، ولا تشبه الحروب الأهلية، ولا تشبه الحروب العصرية التي نراها اليوم.
قد تتكرر الأرقام، ويتشابه الدمار وصوت الانفجارات، لكن الإنسان الذي «ينجو» من كل حرب، يخرج إنساناً مختلفاً.
في الحرب العالمية الثانية، قُتل عشرات الملايين. مدن اختفت بالكامل، وهيروشيما وناغازاكي مُسحتا في لحظة.
كان ذلك رعباً لا يُوصف، لكنه كان واضحاً: جبهات معروفة، عدو محدد، ونهاية يمكن تخيّلها حتى لو كانت بعيدة،
فرغم كل شيء، كان هناك شيء يتمسّك به الناس: فكرة أن الحرب لا بدّ أن تنتهي يوماً ما، وأن الحياة، مهما دُمّرت، يمكن إعادة بنائها.
لم يكن صمود ذلك الجيل بطولة، بقدر ما كان ضرورة. فالانهيار –ببساطة– لم يكن خياراً.
في العقود اللاحقة، تغيّر شكل الحروب، وطغت الصراعات الأهلية والمذابح بين أبناء الوطن الواحد.
في هذا النوع من الحروب، لا يكون العدو دائماً من خارج الحدود، ولا يكون الصراع واضحاً بل حالة طويلة من الشك والخوف وانكسار الروابط بين الناس. في يوغوسلافيا ورواندا، فككت الفتن المجتمعا،ت من الداخل بينما تمكنت مجتمعات أخرى من تشكيل صيغة تعايش قابلة للانهيار في أية لحظة.
في الحروب الأهلية، لا ينتظر الناس النهاية. يظهر اقتصاد موازٍ، وشبكات دعم بديلة، وقدرة قاسية على التكيّف والابتعاد عن الآخر. فالناس لا ينتظرون تحسن أحوالهم، بقدر ما يعملون على إعادة ترتيب حياتهم بما هو متاح.
أما اليوم، ما يميّز هذا الجيل ليس فقط حجم الكارثة وغموض البدايات والنهايات… بل طريقة عيش الحرب التي تصبح جزءاً منه ومن تفكيره وطموحه وأحلامه.
المشاهد المؤلمة لا تحدث مرة وتنتهي. بل يُعاد نشرها مراراً… تُحلَّل، وتُختصر، ثم يُعاد تدويرها.
ومع التكرار، يصبح من الصعب على العقل البشري أن يستوعب التغيير أو حتى أن يطوي الصفحة.
جيل الأمس كان يرى القصف.. ثم يبتعد عنه. أما اليوم، فالحرب تلاحقك، في هاتفك على شاشتك، عندما تستيقظ وقبل أن تنام، وحتى في لحظات صمتك.
غالباً ما يُقال إن هذا الجيل أكثر هشاشة، أسرع قلقاً، أو أقرب للانهيار.
لكن هذا التوصيف يتجاهل شيئاً مهماً للغاية. وهو أن المشكلة ليست في الجيل نفسه… بل في نوع وحجم ما يتعرّض له. فالحرب لم تعد محرد صدمات عابرة، بل حالة صدمة مستمرة، لا تبدأ بوضوح.. ولا تنتهي بوضوح.
وأمام هذا الواقع، تختلف ردود الفعل. هناك من ينهار ومن يقع في براثن الإدمان، ليس من باب الرفاهية، وإنما في محاولة لإسكات ضجيج داخلي غير مفهوم ولا يتوقف.
لكن أيضاً هناك من يحاول أن يفعل العكس. أن يوثّق، ينشر، يكتب، ويشارك، لعله يصنع معنى أو تأثيراً، حتى لو كان محدوداً.
الواقع واحد.. لكن الاستجابة تختلف.
وهنا يظهر التغيير الأعمق: لم تعد الحرب تختبر فقط قدرة الإنسان على البقاء، وإنما قدرته على تحمّل ما لا يفهمه. أن يرى الألم.. دون أن يستطيع إيقافه، أن يتأمل برجاء وهو يدرك أنه لا حول له ولا قوة.
عندها، يتحوّل الوعي نفسه إلى عبء، فتبدو المقارنة بين الأجيال وتفاوت رودود فعل الناس، ضرباً من العبث.
جيل الحروب العالمية واجه دماراً هائلاً لكنه انتهى.. وجيل الحروب الأهلية تعلّم العيش داخل الفوضى وخلق واقع جديد. أما جيل حروب اليوم، فيواجه شيئاً مختلفاً، صراعاً لا ينتهي أبداً… لأنه يُزرع عميقاً ليس فقط على أرض الواقع، وإنما أيضاً في النفوس والوجدان.
عدد الضحايا وبث صور الدماء والأشلاء مباشرة على الهواء، تتكرر ونُجبر معها على رؤية الألم وتجرّع المشهد يومياً.
فكيف لنا أن نحكم على هذا الجيل بنفس معايير الماضي، كيف لنا أن نصفه بالضعف أو الصلابة، فلا الإنسان هو نفسه ولا الحروب هي ذاتها.







Leave a Reply