محمد العزير
من دون سابق إنذار، وفي ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي الإجرامي المفتوح على لبنان، وفي ظلّ استمرار الاستباحة السيادية لوطن الأرز على أيدي المصرّين على وحدة الساحات، وعشية انعقاد الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب في واشنطن، اندلعت على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي «حربٌ لبنانية» ضروس ذوداً عن الانتماء الوطني لجبران خليل جبران ورفاقه الأدباء والشعراء في «رابطة القلم»، ورفضاً لـ«سلبهم» هويتهم الواضحة و«طمسها»، من قبل من أرادوا الاحتفاء بهم وتخليد ذكراهم في المنطقة التي شهدت نشاطهم وبروزهم في مدينة نيويورك الأميركية.
في الوقائع، أفتتح قسم الحدائق العامة بالتعاون مع الجمعية التاريخية لشارع واشنطن، في الثلاثين من نيسان (أبريل) الماضي، وفي ختام فعاليات الاحتفال بالشهر الوطني للعرب الأميركيين، مجسّماً بعنوان «القلم: شعراء في الحديقة» وذلك في ساحة «إليزابيت بيرغر» الواقعة على تقاطع شارعي غرينتش وإدغار، في الحي المالي في جزيرة مانهاتن النيويوركية، في منطقة كانت تعرف منذ مطلع القرن العشرين بـ«سوريا الصغرى» أو «الحيّ السوري»، ويجسّد المجسم أصفر اللون وثلاثي الأبعاد والذي صممته الفنانة الفرنسية العربية، المغربية الأصل سارة أوحادو، كلمة «القلم» بالعربية، تيمّناً باسم المؤسسة الرائدة التي أنشأها أدباء المهجر في المنطقة نفسها بُعيد الحرب العالمية الأولى.
وتشير المعلومات المدرجة على المجسم إلى الأدباء والشعراء المحتفى بهم وهم جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة، ميخائيل نعيمة، أمين الريحاني، ندرة حداد، عفيفة كرم، عجيبة معلوف، وعباس محمود أبو شقرا، على أنهم سوريون من أبناء وبنات «سوريا الصغرى»، وهو ما تكرّر في الكلمات التي أُلقيت في حفل الافتتاح الذي غاب عنه أي تمثيل رسمي للبنان أو سوريا، والذي تحدّث فيه ضياء فيج من قسم الشؤون الثقافية في بلدية نيويورك، والفنانة أوحادو، ورئيسة جمعية واشنطن الدكتورة ليندا جاكوبز، وعضو الجمعية ماهر طقوش، والشاعر العربي الأميركي عمر أفندم الذي ألقى قصائد من وحي المناسبة، كما شاركت في الافتتاح اوركسترا نيويورك العربية.
سرعان ما لاحظ بعض المشاركين أن الإشارة إلى الأدباء والشعراء أغفلت هوياتهم الوطنية التي استجدت بعد مرحلة الاستقلال، واكتفت بالأصل الذي عرفت به هذه المنطقة من نيويورك بين الحربين العالميتين، وهو ما أثار انتباه مؤسسة Shields Of United Lebanon «دروع لبنان الموحّد»، التي بادرت إلى مراسلة بلدية نيويورك والسفارة اللبنانية في واشنطن ووزارة الخارجية في بيروت طالبة السعي إلى تعديل المعلومات لتلحظ التطورات الكيانية التي أعقبت مرحلة الاستقلال ولتتضمن ذكر لبنان كوطن أم للأدباء الذين هاجروا منه.
سلكت المتابعة المهنية للموضوع، القنوات الرسمية والدبلوماسية المعتمدة، وتلمست مقاربة هادئة تجلّت في الرسالة التي وجهها وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة إلى وزير الخارجية يوسف رجي وفيها: «ورد في اللوحة التعريفية للمشروع إشارة إلى هؤلاء الأدباء بوصفهم «كتّاباً سوريين» Syrian Writers… دون الإشارة الصريحة والواضحة إلى الهوية الوطنية اللبنانية لأغلب هؤلاء المبدعين الذين شكّلوا نواة النهضة الأدبية في المهجر. وحيث أن كبار أعضاء «الرابطة القلمية» الواردة أسماؤهم في النصب… هم من جذور لبنانية أصيلة وينتمون إلى قرى ومدن لبنانية. وحيث أن هؤلاء الأدباء، وإن هاجروا في ظل حكم الدولة العثمانية (حين كانت التسمية الإدارية «سوريا الكبرى» تشمل بلاد الشام)، إلا أنهم حافظوا على هويتهم اللبنانية وساهموا في صياغة الفكر والكيان اللبناني، ومنهم من حمل الجنسية اللبنانية رسمياً بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. إن إغفال ذكر «لبنان» أو «اللبنانيين» في هذا المعلم الثقافي الهام بقلب نيويورك، والاكتفاء بوصفهم «سوريين»، يؤدّي إلى طمس الهوية الوطنية اللبنانية لإرثنا الثقافي العالمي وتجييره لتوصيفات عامة أو غير دقيقة.
قوبلت المساعي الرسمية والمحلية بتجاوب سريع من بلدية نيويورك، وأبلغ مدير قسم الفنون والآثار فيها جوناثان كوهين منظمة «دروع لبنان» أن البلدية ستعيد النظر في النصّ التاريخي المرفق مع المجسم وستقوم بتعديله من أجل دقّة ووضوح أكبر، مشيراً إلى أن «أي تعديل سيتم ضمن نموذج دائرة حدائق نيويورك الخاص بالأسلوب والمحتوى وعدد الكلمات والتصميم»، وهكذا انتهت رسمياً، القضية عند الحد الأدنى من التواصل وبلا تعقيدات أو رواسب.
لكن ما يجوز في أميركا لا يصح في لبنان، ففي لبنان حيث الشخصيات والجمعيات والمنصات دائمة الانفعال وتبحث عن جنازة تشبع فيها لطماً، خصوصاً وأن عصر التواصل الاجتماعي يتطلب استنفاراً كاملاً ودائماً، وسباق المزاودة يتغذى على اللايكات وعدد المشاهدات، جاء خبر «القلم» هدية من السماء للمتربصين ببعضهم وبالجمهور، الذي تعود الفضائحية كسياق لمباشرة الشأن العام، فكيف وفي هذا الموضوع الكثير من العناصر القابلة للتوظيف الفتنوي الذي يناسب النفوس السقيمة التي لا يبدو أنها تعلمت من تاريخها شيئاً.
هبّت رياح المعارك فجأة، وارتفعت صيحات الحرب الحتمية، ففي القضية طائفية وفئوية وكيانية ومظلومية، والبازار في البلد على أشدّه. لم تكتف الأحزاب التي تحتكر تمثيل المسيحيين بما قامت به الحكومة فدخلت الحلبة بتفاوت، وفي الوقت الذي اعتمد فيه حزبا القوات والكتائب لغة حازمة لجهة «تصحيح ما هو مخالف للوقائع التاريخية والثقافية»، لكنها هادئة وتعكس الاطمئنان إلى من في الخارجية، حرص التيار الوطني الحر على رفع السقف اللفظي، فطالب بـ«تصحيح هذا الخطأ الجسيم، خصوصاً أن اعتماد هذا النوع من التزوير، سواء كان مقصوداً أو عن جهل أو لغايات في نفس يعقوب، يتعارض مع علّة وجود الولايات المتحدة الأميركية، القائم مجتمعها على التنوع والتعدد، وعلى احترام أصول كل مكوّن من مكوناتها».
الطامة الكبرى كانت في فضاء التواصل الاجتماعي الذي أطلق العنان لمن شاء أن يتخيل ما يشاء عن الموضوع إلى درجة أن إعلامية مخضرمة معروفة بشطحاتها العنصرية عنونت مداخلتها في الموضوع بـ: «سوريا تسرق عظماء لبنان في نيويورك»! لكن المدهش أن شخصيات أكاديمية ومهنية معروفة أمثال الدكتور عصام خليفة لم يتورّعوا عن التجييش والتعبئة والتهديد شأنه شأن العديد من الشعراء والكتاب والصحافيين ومنهم أصدقاء لكاتب هذا المقال، ممن اكتفوا من الموضوع بعنوانه واتخذوا مواقف متطرفة لا تلحظ الواقع ولا تحترم الوقائع، وكأنهم يخشون أن يعيب عليهم أقرانهم الغياب عن المُولد الكبير.
مرةً جديدة تثبت الأحداث أن النخب اللبنانية في غالبيتها النشطة أسيرة سرديات لم تبرأ بعد من لوثة الحرب الأهلية، وأن طويّتها سقيمة ومعتلّة ولا ترى من لبنان سوى سردياتها المصقولة طائفياً ومذهبياً وفئوياً، لذلك لم يلحظ أحد غياب الأحزاب التي تدّعي تمثيل المسلمين أو التي تسمّي نفسها وطنية وتقدمية وقومية عن المعمعة، وكأن جبران ونعَيمة والريحاني وأبو ماضي مسيحيون فقط، وبالتالي هم من مسؤولية الإقطاعية المسيحية ليس إلّا.
ثمة أمر لا بد من الإشارة اليه، وهو أن الهوية السورية التي رفعها المهاجرون من بلاد الشام أواخر القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين، لم تكن مستمدة من الكيان السياسي السوري الذي نشأ بعد الانتداب، وحتماً لا علاقة لها بالحكم السوري بعد الاستقلال، فقد كانت هوية إنسانية ترفض في مضمونها السياسي التبعية للسلطنة العثمانية التي كان المهاجرون يحملون وثائقها الرسمية، ومن يراجع تاريخ اللبنانيين في أميركا سيجد أن اسم سوريا كان في كنائسهم وجمعياتهم وتجمعاتهم، وحتى الجمعية الإنسانية التي أنشأها جبران نفسه عام 1920 أطلق عليها اسم الجمعية السورية…لكن ذلك موضوع فيه بحث آخر.






Leave a Reply