آناربر – إبتسام خنافر
في صباح صيفي هادئ داخل أحد منتزهات مدينة آناربر بولاية ميشيغن، كان بلال حسين يبحث فقط عن وسيلة بسيطة لاستعادة نشاطه الذهني بعد سنوات طويلة من الضغوط اليومية في عالم التدريب.
لم يكن يعلم يومها أن تسديدة عابرة بكرة قدم ستقوده بعد أشهر قليلة إلى المنتخب الأميركي… ثم إلى كأس العالم، وفي رياضة لم يكن قد سمع بها قط: الفوتغولف FootGolf.
فبعد مسيرة طويلة قضاها على خطوط الملاعب مدرباً وموجّهاً للاعبين الشباب في لعبة كرة القدم (سوكر)، يجد المدرب اللبناني الأصل نفسه اليوم، وهو يعيش التجربة نفسها التي لطالما ساعد الآخرين على خوضها: المنافسة، السفر، الضغط النفسي ومطاردة حلمٍ يبدو مستحيلاً.
وبعد أقل من عامين فقط على اكتشافه رياضة «الفوتغولف»، نجح حسين في الانضمام رسمياً إلى صفوف المنتخب الأميركي باعتباره أحد أعلى اللاعبين تصنيفاً في الولايات المتحدة، وهو ما سيمكنه من المشاركة قريباً في مباريات كأس العالم 2026 في لعبة «الفوتغولف» التي ستقام في أكابولكو بالمكسيك.
يقول حسين لـ«صدى الوطن»: «حتى الآن أشعر أحياناً أن الأمر يكاد يكون حلماً. منذ اللحظة الأولى التي لعبت فيها، شعرت بشغف كبير تجاه هذه الرياضة، ووضعت لنفسي هدفاً واضحاً: التأهل إلى كأس العالم».
جذور الحلم بدأت في لبنان
قبل سنوات طويلة، بدأت علاقة بلال حسين بالرياضة في لبنان، حيث نشأ عاشقاً لكرة القدم ووجد فيها مساحة للطموح والانتماء.
لعب على المستوى الجامعي، قبل أن ينضم إلى فريق قيادة الجيش اللبناني، وهي التجربة التي ساهمت في تشكيل شخصيته التنافسية ورسخت داخله قيم الانضباط والالتزام.
وكأي لاعب شاب، كان يحمل حلم الوصول إلى مستويات احترافية أعلى وتمثيل وطنه يوماً ما.
وقال: «كنت أؤمن أن لدي القدرة على اللعب بشكل احترافي، لكن الظروف التي كانت تمر بها الرياضة اللبنانية آنذاك جعلت الطريق صعباً للغاية».
ومع مرور الوقت، قادته الحياة إلى الولايات المتحدة، حيث بدأ رحلة جديدة مختلفة تماماً، بعيداً عن الملاعب اللبنانية التي عرف فيها بداياته الأولى.
حياة جديدة في أميركا
بعد حصوله على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال بمجالي المحاسبة والتمويل، انتقل حسين إلى ولاية ميشيغن، وفيها بدأ ببناء مسيرته المهنية والشخصية من جديد.
دخل عالم التدريب بشغف كبير، وعمل مع عدد من الأندية الشبابية، بالتزامن مع مواصلة تطوير نفسه عبر برامج الاتحاد الأميركي لكرة القدم.
وسرعان ما أصبح حسين معروفاً كمدرب يهتم ببناء شخصية اللاعبين بقدر اهتمامه بالجوانب الفنية داخل الملعب.
وقال: «بالنسبة لي، التدريب لم يكن يوماً مجرد رياضة. كنت أؤمن أن دوري الحقيقي هو مساعدة الشباب على أن يصبحوا أشخاصاً أفضل، أكثر انضباطاً واحتراماً وثقة بأنفسهم».
وفي عام 2017، حقق حسين واحدة من أبرز محطات حياته المهنية عندما حصل على رخصة التدريب العليا A–Senior من الاتحاد الأميركي لكرة القدم، ليصبح أول مدرب لبناني وأول مدرب عربي يحقق هذا الإنجاز، حسب قوله.
وعمل حسين بين عامي 2017 و2021 ضمن برنامج كرة القدم النسائية في «جامعة ميشيغن»، بين منصبي المدرب المساعد ومدير التحليلات الفنية.
وعن تلك الفترة يقول: «كرة القدم النسائية في الولايات المتحدة تُعد من الأفضل عالمياً»، مؤكداً أن «العمل ضمن هذا المستوى التنافسي شكّل تجربة غنية وتحدياً يومياً بالنسبة لي».
من الإرهاق إلى الانطلاق
رغم النجاحات التي حققها في عالم التدريب، بدأ حسين يشعر مع مرور السنوات بإرهاق ذهني كبير نتيجة الضغوط اليومية والاستثمار العاطفي المستمر في حياة اللاعبين.
وقال: «عندما تعمل بشغف كامل لسنوات طويلة، تصل في لحظة ما إلى الحاجة للابتعاد قليلاً وإعادة ترتيب نفسك ذهنياً».
وبعد خروجه من العمل الجامعي، حاول التركيز على صحته الجسدية والذهنية، قبل أن يتعرّف بالصدفة على رياضة «الفوتغولف» داخل أحد المنتزهات العامة في مدينة آناربر.
في البداية، أثارت اللعبة فضوله فحسب. غير أن الفضول سرعان ما تحوّل إلى شغف حقيقي.
ما هي رياضة «الفوتغولف»؟
«الفوتغولف» هي رياضة هجينة تجمع بين كرة القدم والغولف، حيث يحاول اللاعب إيصال كرة القدم إلى حفرة كبيرة بأقل عدد ممكن من اللمسات، تماماً كما يحدث في لعبة الغولف التقليدية. وتُلعب المباريات على ملاعب الغولف باستخدام كرة قدم عادية، فيما يبلغ قطر الحفرة نحو 50 سنتيمتراً.
وتأسس الاتحاد الدولي للفوتغولف FIFG عام 2012، فيما بدأت اللعبة بالانتشار سريعاً في الولايات المتحدة وأوروبا وأميركا الجنوبية خلال السنوات الأخيرة. كما شهدت بطولة كأس العالم الأخيرة في أورلاندو عام 2023 بمشاركة نحو ألف لاعب من 39 دولة مختلفة.
ويقول حسين إن أكثر ما جذبه إلى هذه الرياضة هو المزج الفريد بين المهارة الفنية والتركيز الذهني والتخطيط الاستراتيجي. وأضاف: «كلما لعبت أكثر، أدركت أن هذه الرياضة أصعب بكثير مما تبدو عليه».
وأوضح أن الفوتغولف ليست مجرد تسديد كرة نحو حفرة، بل لعبة تعتمد بشكل كبير على الحسابات الدقيقة والتحكم بالكرة وقراءة التضاريس والقدرة على التحكم الذهني تحت الضغط.
وقال: «في كرة القدم، لديك هامش للتعويض خلال المباراة. أما في الفوتغولف، فأحياناً تسديدة واحدة خاطئة قد تغيّر نتيجة الجولة بالكامل».
أهداف بدت مستحيلة
في كانون الثاني (يناير) 2025، قرر حسين دخول المنافسات الاحترافية رسمياً.
ومنذ البداية، وضع لنفسه أهدافاً بدت للكثيرين طموحة للغاية: أن يصبح ضمن أفضل اللاعبين في الولايات المتحدة، وأن يدخل قائمة أفضل 100 لاعب عالمياً، وأن يتأهل إلى كأس العالم 2026.
بالنسبة له، لم تكن تلك الأحلام مستحيلة، بل كانت دافعاً يومياً للعمل.
بدأ حسين بالتنقل بين البطولات في ولايات مختلفة مثل كاليفورنيا ولاس فيغاس ونيوجيرزي، بحثاً عن النقاط التي تسمح له بالصعود في سلّم التصنيف الأميركي. لكن الطريق لم يكن سهلاً.
فرياضة الفوتغولف لا تزال ناشئة نسبياً، ما يعني أن اللاعبين يتحملون غالبية تكاليف السفر والإقامة والمشاركة من أموالهم الخاصة.
وقال: «الدعم والرعاية في هذه الرياضة لا يزالان محدودين للغاية. فمعظم اللاعبين يضحون مادياً لأنهم ببساطة يحبون المنافسة».
لحظة كادت تنهي الرحلة
في إحدى أصعب اللحظات، وبعد أداء مخيب في بطولة الولايات المتحدة المفتوحة بنيوجيرزي، فكّر حسين جدياً في التوقف. إذ بدأ الإرهاق البدني والذهني ينعكس عليه بشكل واضح، خصوصاً مع كثرة السفر وضغوط المنافسة.
لكن فكرة واحدة منعته من الاستسلام.
قال: «سألت نفسي: كيف يمكنني أن أطلب من الأطفال ألا يستسلموا إذا كنت أنا سأستسلم؟».
بعد تلك اللحظة، عاد بعقلية مختلفة تماماً.
بدأ بوضع خطط تدريب دقيقة، ودرس نقاط قوته وضعفه، وعمل على تهيئة جسده لتحمل متطلبات النجاح.
وقال مبتسماً: «في البداية، كان هدفي فقط أن أتمكن من إنهاء البطولات دون أن ينهار جسدي».
ومع مرور الوقت، بدأ جسمه بالتأقلم تدريجياً.
وبعد شهر رمضان 2025، رفع حسين وتيرة تدريباته بشكل كبير، فبذل ساعات طويلة في أجواء صعبة لمحاكاة الظروف المناخية المتوقعة في المكسيك.
وتدريجياً، بدأت النتائج شيئاً فشيئاً تعكس أهمية العمل الذي قام به.
التأهل إلى المنتخب الأميركي
بحلول نهاية الموسم، أنهى حسين التصنيف ضمن أفضل اللاعبين الأميركيين، ليضمن مكانه رسمياً ضمن قائمة المنتخب الأميركي المشارك في كأس العالم للفوتغولف 2026 في أكابولكو. وقد ظهر اسمه رسمياً ضمن قائمة اللاعبين المؤهلين في فئة كبار الرجال Senior Men.
وتنطلق النسخة الخامسة من كأس العالم بلعبة الفوتغولف في المكسيك يوم 27 أيار (مايو) الجاري، وتستمر حتى السابع من حزيران (يونيو) المقبل.
بالنسبة له، لم يكن الأمر قط مجرد نجاح رياضي، بل لحظة تختصر سنوات طويلة من الأحلام والتحديات والهجرة والعمل المستمر.
وقال بتأثر: «عندما كنت صغيراً في لبنان، كان حلمي أن أمثل وطني. واليوم أملك فرصة تمثيل الولايات المتحدة، مع احتفاظي الكامل بفخري بجذوري اللبنانية». وأضاف: «قبل أي شيء، أنا فخور بأنني ابن لبنان».
قصة أكبر من الرياضة
اليوم، ومع اقتراب انطلاق كأس العالم في الفوتغولف، لا يرى حسين رحلته كإنجاز شخصي فقط، بل كرسالة أمل لكل شخص يعتقد أن الوقت قد فات لتحقيق أحلامه.
فبعد سنوات من تدريب الآخرين، وجد نفسه يعيش بنفسه معنى المنافسة الحقيقية: الضغط، الخسارة، السفر، التحدي، والمحاولة من جديد.
ويؤكد أن هذه التجربة منحته فهماً أعمق لما يعيشه الرياضيون على أعلى المستويات.
وقال: «هذه الرحلة ستجعلني بالتأكيد مدرباً أفضل وإنساناً أفضل».
أما رسالته الأخيرة، فهي بسيطة وواضحة: «لا يوجد وقت متأخر لتحدي نفسك. إذا بقيت منضبطاً، واستمررت في التعلم، ورفضت الاستسلام، فقد تحدث أشياء مذهلة».
ومن ملاعب لبنان.. إلى ميشيغن.. إلى المسرح العالمي في المكسيك، تبدو قصة بلال حسين دليلاً على أن بعض الأحلام قد تتأخر… لكنها لا تموت.







Leave a Reply