صرح معماري ضخم ومتكامل بتكلفة 16 مليون دولار
افتتاح مسجد «الحسنَين» في ديربورن هايتس: تدشين مرحلة جديدة من مسيرة «المنتدى الإسلامي»
إبتسام خنافر – «صدى الوطن»
في عيد الفطر الماضي، احتفل «المنتدى الإسلامي في أميركا» بافتتاح مسجد الحسنين (ع) ضمن مقره الجديد على شارع بيتش دايلي في ديربورن هايتس، مطلقاً بذلك، مرحلة جديدة من خدمة المجتمع المحلي عبر رؤية متكاملة تستند إلى منجزات «المنتدى» الذي أسّسه السيد حسن القزويني عام 2015.
ويشكّل مسجد «الحسنين» ذو القباب الذهبية، والذي يتسع لأكثر من ألف مصلٍّ، جزءاً من مقر «المنتدى» الجديد الذي مازال قيد الإنجاز بتكلفة إجمالية تقدّر بنحو 16 مليون دولار.
ومن شأن المقر الجديد الذي أُقيم على أرض بمساحة سبعة أفدنة، وبمساحة بناء تقارب 60 ألف قدم مربع، مما يجعل «المنتدى» أحد أكبر المراكز الإسلامية في الولايات المتحدة.
وبالإضافة إلى المسجد، يضم مقرّ «المنتدى» الجديد، مجموعة من المرافق المتنوعة، بما فيها قاعة احتفالات كبيرة ومدرسة ومرافق شبابية ومطبخاً تجارياً ومواقف سيارات تتسع لأكثر من 500 مركبة، بما يعكس انتقالاً نوعياً في فهم دور المؤسسة الدينية، وفقاً للسيد القزويني الذي أكد لجريدة «صدى الوطن» أن المقرّ الجديد يأتي في سياق رؤية المنتدى «لبناء مؤسسات متكاملة تخدم الإنسان في مختلف جوانب حياته».
مشهد الافتتاح
المشهد يوم الافتتاح كان بحدّ ذاته رسالة واضحة؛ فقد امتلأ المسجد عن بكرة أبيه صبيحة العيد السعيد، وامتدت صفوف المصلين إلى خارج المبنى، فيما امتلأت مواقف السيارات بالكامل، في صورة تعكس حجم حاجة المجتمع المتراكمة منذ سنوات لمثل هذا الصرح.
ومنذ الافتتاح، يتكرّر مشهد الازدحام بانتظام مع كل صلاة جمعة وحتى خلال أيام الأسبوع، في مؤشر على حاجة أبناء المجتمع المحلي ليس فقط إلى مكان للصلاة، وإنما لمساحة متكاملة تجمع بين العبادة والتعليم والأنشطة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، أفاد القزويني لـ«صدى الوطن» بأن «الإقبال الكبير منذ اليوم الأول، يعكس حاجة حقيقية داخل المجتمع، ويؤكد أن المشروع جاء استجابة لواقع يتطلب هذا النوع من المؤسسات»، لافتاً إلى أن جامع «الحسنين» يمثل جزءاً من منظومة أوسع يعمل «المنتدى الإسلامي في أميركا» على استكمالها.
والصرح الجديد من تصميم المهندس المعماري غسان عبدالنور، وتنفيذ شركة «لونا» للمقاولات، فيما تولى أعمال الزخرفة والتخطيط الفنان هاروت بستجيان، وتصميم الديكور الداخلي المهندس علي حطيط.
مشكلة الازدحام
قبل الانتقال إلى مقرّه الجديد على شارع بيتش دايلي، شكل الازدحام معضلةً حقيقية بالنسبة لزوار «المنتدى» على مدار السنوات الماضية بسبب موقعه السابق على شارع فورد في ديربورن هايتس، حيث كانت طوابير السيارت تؤدي إلى عرقلة السير جزئياً على الطريق الحيوي، وكانت الشرطة تضطر في كثير من الأحيان إلى التدخل لتسهيل حركة المرور.
ورغم اتساع مساحة المقر السابق الذي تمّ تحويله من كنيسة إلى مركز إسلامي في عام 2017، كانت حشود المصلين والزوار تتنامى سنوياً خاصة خلال شهر رمضان المبارك والمناسبات الكبرى، حيث كانت الأعداد تتجاوز القدرة الاستيعابية، فيما تحوّلت مواقف السيارات إلى أزمة يومية.
وأكد القزويني أن «هذه المرحلة لم تكن مجرد أزمة مكان، بل مؤشر على ضرورة إعادة التفكير في طبيعة المشروع ككل»، موضحاً أن «امتلاء المكان واضطرار البعض إلى المغادرة بسبب ازدحام المصلين، دفعنا إلى التفكير بجدية، بمشروع أكبر وأكثر شمولاً».
لحظة مفصلية
وسط هذه التحديات، برزت مبادرة شكلت نقطة تحول حاسمة، بحسب القزويني، إذ قدّم رجل الأعمال مايك شحادة عرضاً سخياً بشراء العقار الكائن على شارع فورد، مقابل نحو خمسة ملايين دولار فضلاً عن تبرعه بقطعة الأرض التي أُقيم عليها مقرّ «المنتدى الإسلامي» الجديد على شارع بيتش دايلي، والتي كانت أيضاً موقعاً لكنيسة سابقة.
وفي هذا السياق، قال السيد القزويني إن «هذه المبادرة لم تكن مجرد حلّ جزئي، بل فتحت الباب أمام إعادة تصور المنتدى بشكل جذري»، مشيراً إلى أن بيع المركز القديم، وفّر قاعدة مالية مريحة لتمويل المشروع، فيما أتاحت المساحة الكبيرة للعقار الجديد، فرصة حقيقية «لتنفيذ رؤية أكثر طموحاً»، وفق تعبيره.
ولكن مع تطوّر المشروع، لم تعد التقديرات الأولية كافية، حيث تضخّمت مساحة البناء من نحو 43 ألف قدم مربع إلى 60 ألفاً، بغية تضمينه مساحات كافية لتوفير خدمات إضافية لرواد المسجد، ما أدّى في نهاية المطاف، إلى ارتفاع تكلفة البناء إلى نحو 12 مليون دولار، فيما بلغت الكلفة الإجمالية للمشروع نحو 16 مليون دولار.
وفي هذا الإطار، أوضح القزويني أن «توسّع رؤية المنتدى الإسلامي في أميركا كان السبب الرئيسي في تضاعف الكلفة»، مشيراً إلى أن التمويل تم عبر قروض مصرفية بحدود خمسة ملايين دولار، إلى جانب تبرعات واسعة من أبناء الجالية.
وأكد القزويني أن «الاستثمار الحقيقي في عمل المنتدى هو بناء الإنسان، وليس فقط تشييد المباني»، معرباً عن شكره العميق لكل من ساهم في إنجاز هذا المشروع الطموح.
جزء من منظومة متكاملة
لا يقتصر مشروع «المنتدى الإسلامي في أميركا» على مسجد «الحسنين» وأنشطة العبادة والصلاة، بل يتعدّاه إلى بناء منظومة اجتماعية متكاملة تتضمن قاعة مناسبات مركزية تتسع لأكثر من 1,100 شخص، وفصولاً مدرسية وتثقيفية، وكافيتيريا مخصصة للشباب، ومطبخاً تجارياً لخدمة المناسبات الاجتماعية الكبرى، ما من شأنه أن يحوّل «المنتدى» إلى مركز للحياة اليومية وليس مجرد مركز ديني وحسب.
وقال السيد القزويني إن النموذج الجديد يعكس توجه «المنتدى الإسلامي» نحو بناء «مؤسسة شاملة تخدم مختلف جوانب الحياة»، مؤكداً أن «الهدف هو بناء الإنسان قبل بناء المكان».
ويشكل التعليم أحد أهم ركائز «المنتدى»، الذي يتميز باحتضانه لحوزة دينية تأسست عام 2018، واستقطبت على مدار السنوات اللاحقة، أكثر من 600 طالب من نحو 13 دولة مختلفة، مع إتاحة الدراسة حضورياً وعن بُعد، إلى جانب منظومة تعليمية تشمل مدرسة نهاية الأسبوع، ومعهد القرآن الكريم، فضلاً عن خطة قيد الدراسة لإطلاق مدرسة إسلامية بدوام كامل.
الشباب والتحدّيات
يضيف القزويني أن «العمل مع الشباب يشكل أولوية العمل، لأنهم يمثلون مستقبل مجتمعنا»، لافتاً إلى أن «المنتدى الإسلامي»، يمنح الشباب اهتماماً خاصاً يمكن لمسه من خلال حضورهم اليومي الكثيف الذي تراوح بين 800 و1,000 شاب وشابة خلال شهر رمضان. مما يعكس نجاح البرامج الموجهة لهذه الفئة.
ولفت القزويني إلى أن «المنتدى» يركّز على البرامج الوقائية والتوعوية للشباب بهدف مساعدتهم في مواجهة التحديات الشائكة التي تهدد الجيل الجديد، مثل مكافحة المخدرات والاكتئاب والانتحار، مؤكداً أن الهدف من بناء الصرح الجديد هو «بناء الإنسان قبل بناء المكان»
امتداد رقمي
ولا يقتصر تأثير «المنتدى الإسلامي» على ديربورن هايتس أو عموم منطقة ديترويت، إذ يتابع برامجه باللغتين العربية والإنكليزية أكثر من 250 ألف شخص عبر الإنترنت، ما يعكس تحول المؤسسة من إطار محلي إلى منصة عالمية.
وأشار القزويني لصحيفة «صدى الوطن» إلى أن «هذا الامتداد الرقمي يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث لم يعد التأثير مرتبطاً بالمكان فقط، بل بالقدرة على الوصول إلى جمهور أوسع».
وإلى جانب دوره الديني، يعمل «المنتدى الإسلامي»، من خلال جامع «الحسنين» وخدماته الأخرى، على تعزيز حضوره المجتمعي، من خلال لجان متخصصة في الصحة والحوار بين الأديان، إضافة إلى خطط لافتتاح عيادة طبية لخدمة غير المؤمّنين صحياً، إلى جانب تقديم الدعم للعائلات والاستشارات الاجتماعية.
وفي هذا الصدد، أكد القزويني أن «المسجد يجب أن يكون جزءاً من حياة الناس اليومية، وأن يساهم في معالجة القضايا الاجتماعية، وليس فقط تقديم الخدمات الدينية».
رسالة جامعة
في ختام حديثه لـ«صدى الوطن»، شدد القزويني على أن «المنتدى الإسلامي في أميركا»، لا يمثل طائفة أو إثنية أو عرقاً معيناً، وإنما هو مساحة مفتوحة لجميع المسلمين، بل وحتى لغير المسلمين، مؤكداً أن الهدف هو خدمة المجتمع وتعزيز القيم الدينية والإنسانية.
ولكن في المحصلة، يرى القزويني في مسيرة «المنتدى الإسلامي» تعبيراً صادقاً عن قصة المجتمع المسلم في ميشيغن، موضحاً أن المسلمين هنا، صمدوا ونجحوا في بناء مؤسسات منظّمة وحضور واضح، بعدما ظلوا لعقود طويلة يفتقدون إلى البنية التحتية اللازمة لحفظ هويتهم وتربية أجيالهم الجديدة على القيم والتقاليد الإسلامية.
فمن غياب الاعتراف، إلى التمييز والتهميش، مروراً بالتهديد والاعتداءات المباشرة التي وصلت إلى حد إطلاق النار ورمي القنابل الحارقة على منازل المسلمين ومراكزهم الدينية، استمرت الجالية في العمل والنضال حتى باتت لها مؤسسات فاعلة ساهمت في إخراجها من عزلتها وتحويلها تدريجياً إلى جزء فاعل في المجتمع الأميركي. وما تجربة «المنتدى الإسلامي في أميركا» سوى «نتيجة طبيعية» لهذا المسار والرغبة الجادة في الانتقال من حالة التجمع إلى حالة العمل المؤسسي المنظم، بحسب القزويني.







Leave a Reply