بضغط إيراني وإخراج أميركي .. هدنة لعشرة أيام في لبنان
التقرير الأسبوعي
تحت إصرار إيران على شمول لبنان بوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، وتحت ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عضّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الجرح بإعلان هدنة مؤقتة على الجبهة الشمالية دون أن يتمكّن من تحقيق أهدافه البرية، بما في ذلك، فشل احتلال بنت جبيل، الواقعة على بعد أربعة كيلومترات فقط من الحدود.
وكان من المفترض أن يسري وقف إطلاق النار في لبنان، بالتزامن مع «هدنة الأسبوعين» التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثامن من نيسان )أبريل( الجاري، عقب موافقته على الورقة الإيرانية للتفاوض. غير أن نتنياهو سارع إلى محاولة «فصل الساحات» من خلال شن اعتداءات وحشية طالت العاصمة بيروت، وأسفرت عن مقتل وجرح المئات، قبل أن يسعى حثيثاً لتحقيق «صورة نصر» ما، في الوقت الضائع عبر التركيز على محاولة احتلال مدينة بنت جبيل، حيث قوبلت القوات الإسرائيلية بمقاومة ضارية قبل أن تضطر إلى الانسحاب مع سريان وقف إطلاق النار، بأمر من الرئيس الأميركي.
ورحّبت وزارة الخارجية الإيرانية، بالإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان. وقال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن «وقف الحرب في لبنان كان جزءاً من تفاهم وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة بوساطة باكستان»، مشيراً إلى أن إيران شدّدت «منذ البداية، خلال محادثاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، على ضرورة إرساء وقفٍ متزامن لإطلاق النار في كامل المنطقة، بما في ذلك لبنان».
ودخلت الهدنة التي أعلن عنها ترامب في لبنان، لمدة عشر أيام، حيز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس–الجمعة )16 أبريل)، بضغط إيراني حثيث، و«إخراج أميركي» توخّى استغلال وقف إطلاق النار سياسياً، عبر تقديمه كـ«فرصة للمفاوضات المباشرة» من أجل التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، وذلك بعد اجتماع صوري انتهك المحظورات اللبنانية السارية منذ أكثر من أربعة عقود، بلقاء السفيرة اللبنانية في واشنطن بنظيرها الإسرائيلي في مقر وزارة الخارجية الأميركية، الثلاثاء الماضي، فيما ذهب ترامب إلى حدّ الحديث عن اتصال هاتفي مباشر سيجمع بين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، قبل أن يمتنع الأخير عن هذه الخطوة تحت ضغوط الداخل اللبناني.
وقال ترامب لاحقاً إن الرئيس اللبناني قد يجتمع مع نتنياهو في البيت الأبيض خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين في البيت الأبيض، مضيفاً بأنه «لأمر مثير للغاية أن يتسنى عقد اجتماع، هو الأول من نوعه منذ 44 عاماً»، في إشارة إلى اتفاق 17 أيار 1983 الذي أسقطه التيار المقاوم لإسرائيل عبر انتفاضة «6 شباط».
وفي سياق تاريخي مشابه، وبينما يستعد الداخل اللبناني لصدام داخلي محتمل في ظل انسياق السلطة للمطالب الإسرائيلية–الأميركية بنزع سلاح المقاومة، حرص «الإخراج الأميركي» على وضع الهدنة المؤقتة في إطار تعهد حكومة بيروت بتحقيق هذا الهدف، فيما أعلن «حزب الله» أنه سيلتزم بوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، شرط أن يكون شاملاً ويتضمن وقف كامل الأعمال العدائية الإسرائيلية والاغتيالات ضده.
وفي السياق، أعرب الرئيس الأميركي عن أمله في أن يتصرف حزب الله «بشكل جيد» خلال فترة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أن ذلك قد يشكل «لحظة عظيمة» للحزب إذا التزم بالسلوك المناسب.
تفاهم بلا ضمانات
انكشف مشهد المعركة التي بدأت في الثاني من آذار (مارس) الماضي، على ضعف إسرائيلي غير مسبوق، وعلى اندثار كل آثار العدوان الواسع الذي حصل في العام 2024، وهو ما دفع ترامب إلى تصعيد ضغوطه على نتنياهو، ليس لإنقاذ اتفاقه مع إيران فحسب، بل للحدّ من فضيحة الجيش الإسرائيلي بمواجهة الأداء الأسطوري للمقاومة على جبهات جنوب لبنان.
وجاء في نص مذكرة التفاهم بين لبنان و«اسرائيل» أنه في أعقاب محادثات مباشرة ومثمرة جرت في واشنطن يوم 14 أبريل الجاري، بوساطة من الولايات المتحدة، توصّل لبنان وإسرائيل إلى تفاهم يعمل بموجبه كلا البلدين على تهيئة الظروف المؤاتية لسلام دائم بينهما، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامته الإقليمية، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، «مع الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس».
وأقرّ كلا البلدين في نص المذكرة بالتحديات الكبيرة التي تواجهها الدولة اللبنانية «من قبل الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، والتي تقوّض سيادة لبنان وتهدّد الاستقرار الإقليمي.
وأكد الطرفان أنهما ليسا في حالة حرب، ويلتزمان بالدخول في مفاوضات مباشرة وحسنة النية، بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يكفل الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين.
وبحسب نص المذكرة، يجوز تمديد فترة الهدنة «إذا تم إحراز تقدم في المفاوضات، وكلما أظهر لبنان بشكل فعّال قدرته على ممارسة سيادته»، مع «احتفاظ إسرائيل بحقّها في اتخاذ جميع التدابير الضرورية دفاعاً عن النفس، في أي وقت، ضد هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية».
ورغم أن الإعلان الرسمي الصادر عن الولايات المتحدة، حاول تجاهل دور إيران والمقاومة في وقف العدوان الإسرائيلي، فإن كل ما ورد في مذكرة التفاهم المتعلقة بالهدنة، يشي بأن عودة المواجهة العسكرية تبقى واردة للغاية، حيث يدرك قادة جيش الاحتلال، أن «حزب الله» مازال ممسكاً بالميدان وقادراً على الردّ على أي خرق للاتفاق وسط غياب أي ضمانات فعلية لاستمرار وقف النار، خصوصاً أن المقاومة، على لسان الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، أكدت أن لا عودة إلى ما قبل الثاني من مارس الماضي.
وداخلياً، سبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار، سلسلة تحركات سياسية وإعلامية، من بينها ما نُقل عن الرئيس الأميركي عبر منصته، أن الاتفاق هو جزء من مساعٍ لإدخال الملف اللبناني–الإسرائيلي في مسار تفاوضي أكثر مباشرة. غير أنّ هذه المحاولات، رغم زخمها الإعلامي، اصطدمت بتعقيدات سياسية وميدانية حالت دون ترجمتها إلى مسار فعلي. وتزامن ذلك مع مسعى أميركي إلى ترتيب صيغة تواصل ثلاثي تضمّ عون ونتنياهو برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ما وضع قصر بعبدا في قلب نقاش داخلي حساس، وكشف حجم التباين مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وعدد من القوى السياسية، من بينها وليد جنبلاط، الذي حذّر وبري رئيس الجمهورية من ارتكاب هذا الخطأ.
كما استنكر عضو كتلة «الوفاء للمقاومة»، النائب حسن فضل الله، المفاوضات المباشرة بين وفدي لبنان وإسرائيل في واشنطن، معتبراً أنّ السلطة اللبنانية ذهبت «مزلّطة» إلى هذه المفاوضات. وقال: «الصورة في واشنطن لا تُعبّر عن شعبنا» في إشارة إلى اجتماع سفيرة لبنان بنظيرها الإسرائيلي.
وأضاف أنّ «السلطة في بيروت غير مؤهلة وتتغلب فيها المصالح الفردية وأحياناً الطائفية على حساب الوطن»، مضيفاً بأن «حزب الله» يقبل بالاستفتاء الشعبي على مسألة السلام مع كيان الاحتلال.
وكان ترامب قد باغت، الجميع بإعلانه وقف النار بين لبنان وإسرائيل، معلناً تكليف نائبه جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، «للعمل مع البلدين لتحقيق سلام دائم».
وفيما انتهى التواصل بين عون وروبيو إلى تثبيت موقف لبناني رافض لأي تواصل مباشر مع نتنياهو، فإن دوائر القصر الجمهوري حرصت على صياغة موقف عون بلغة دبلوماسية متوازنة، تجمع بين الترحيب بالجهود الأميركية ورفض أي تطبيع مباشر تحت الضغط العسكري.
من جانبه، قال نتنياهو إن وقف إطلاق النار يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» شرطاً مسبقاً لأي اتفاق، فيما ذكرت هيئة البث الإسرائيلي، أن نتنياهو قال إن جيش الاحتلال «سيبقى في المكان الذي وصل إليه في لبنان»، في إشارة الى القرى الحدودية التي يسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية.
ودعا جيش الاحتلال الإسرائيلي سكان جنوب لبنان إلى عدم التوجه إلى المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
وقال في رسالة عاجلة إنه سيواصل التمركز في مواقعه جنوب لبنان، في مواجهة ما وصفه بنشاطات «حزب الله»، مؤكداً أن هذا الإجراء يأتي حرصاً على سلامة السكان.
بدوره، دعا «حزب الله» اللبنانيين إلى عدم التسرع في العودة إلى الجنوب. كما حث الجيش اللبناني المواطنين على التريّث في العودة، حفاظاً على سلامتهم لكن ذلك لم يمنع آلاف الجنوبيين إلى التوجه لقراهم وبلداتهم مع ساعات الصباح الأولى من سريان وقف إطلاق النار.
الدور الإيراني
عشية إعلان الهدنة، جدّدت إيران تأكيدها أنّ وقف الحرب في لبنان عنصر أساسي في اتفاق وقف النار، مشدّدة على تمسكها بهذا الشرط لمواصلة التفاوض مع واشنطن بعد انقضاء نصف مدة هدنة الأسبوعين.
وفيما تستمر مفاوضات إسلام آباد، قال بقائي: «سنبقى إلى جانب المقاومة في لبنان ووقف الحرب هناك عنصر أساسي في اتفاق وقف النار».
وأضاف: «إيران لن تتخلى عن لبنان أبداً ووقف إطلاق النار في لبنان هو أحد بنود مفاوضات إسلام آباد». وأكد أن «حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية هو حق لم يمنحه لنا أحد حتى يُسلب منا تحت الضغط أو الحرب»، مشيراً إلى أنّ «حق إيران في تخصيب اليورانيوم جزء من حقوق إيران بموجب عضويتها في معاهدة عدم الانتشار». وقال: «طالما نحن أعضاء في معاهدة حظر الانتشار النووي فمن الطبيعي أن نواصل التخصيب».
وشدّد بقائي على أنّ القوّات المسلّحة الإيرانية مستعدة للتصدّي لأيّ تحرّك أو مغامرة من قبل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي».
وكان نتنياهو قد عمد إلى توسيع عدوانه على بيروت ولبنان في خرق علني لاتفاق وقف إطلاق النار. وهو ما قابلته إيران بإعادة إغلاق مضيق هرمز، بعد أن كان الاتفاق مع واشنطن يقضي بمرور ما بين 15 و17 باخرة يومياً عبر المضيق الاستراتيجي، إلا أن الخرق الإسرائيلي أدى إلى إغلاقه بالكامل كخطوة أولى في الردّ، وهو ما حاول ترامب مجابهته بفرض حصار كامل على السفن الإيرانية، قبل أن يذعن لإيران بتشديد الضغط على نتنياهو لوقف الحرب في لبنان.
أفق الحرب
في ظلّ تراجع الحماسة الأميركية للعودة إلى الحرب بشكلها السابق، ناهيك عن الانتقال إلى درجة أشرس فيها، باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية. تشير المجريات إلى فرص عالية لصمود الهدنة بين واشنطن وطهران، وبالتالي عدم عودة الحرب الإسرائيلية على لبنان، رغم عدم التوصّل إلى صفقة حتى الآن.
أمام ذلك، يتوقع المراقبون أن يتحوّل الصراع إلى أشكال أخرى من المواجهة، كالحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، والذي يُحتمل تطوّره إلى مزيد من التأزّم في حال ردّت إيران، بإغلاق مضيق باب المندب، وتصفير التجارة، النفطية خصوصاً، عبر الممرّات البحرية في كامل منطقة الخليج وبعض محيطها.
وبحسب المراقبين، تبدو الأبواب كلّها موصَدة أمام ترامب، إلا باب التوصل إلى اتفاق يعكس بشكل حقيقي نتيجة الحرب مع إيران، فيما يبدو الخاسر بتحديد أكبر، المسيحيون الصهاينة، أي حلفاء نتنياهو في الولايات المتحدة الذين كانوا وراء قرار الحرب التي سعوا إلى تحويلها إلى حرب دينية، لكنهم فشلوا في تقديمها إلى الرأي العام الأميركي، بما في ذلك اليميني منه، بوصفها مسيحية–إسلامية، وهذا ما أسهم في جعلها حرباً غير قابلة للكسب. وهذه أيضاً ستُترجم تراجعاً لإسرائيل، إذا ما تمكّن ترامب وفريقه من الإفلات من ضغوط المسيحيين الصهاينة والخروج من الحرب، أي إخراج واشنطن منها بأقلّ الخسائر الممكنة، ووقف النزيف لدى حلفاء الأخيرة في المنطقة.
أمّا إسرائيل فستواجه خسارة استراتيجية لنتنياهو واليمين المتشدد وصولاً إلى الدولة ككل لوقوفها بشكل كبير خلف نتنياهو في الحرب على إيران والجبهات الأخرى، باعتبارها حرباً مصيرية، لتفقد تل أبيب بذلك كلّ ما ظنّت أنها كسبته منذ بداية العدوان على قطاع غزة عقب هجمات 7 أكتوبر 2023. إذ ضيّعت إسرائيل، بنتيجة الحرب، جزءاً كبيراً من الدعم الذي كانت تتمتّع به في الولايات المتحدة، لتوريطها الأخيرة في حرب غير ضرورية تنعكس مباشرة على دافع الضرائب الأميركي، مرّة عبر الدعم العسكري لإسرائيل، وخوض الحرب نيابة عنها، ومرّة أخرى عبر زيادة تكلفة المحروقات، والمعيشة عموماً، بشكل كبير، بما يؤثّر مباشرة على جيب المواطن الأميركي.
وفي مؤشر جديد على تراجع شعبية إسرائيل أميركياً، صوت عدد قياسي من أعضاء مجلس الشيوخ ضد صفقات أسلحة جديدة لإسرائيل، حيث اعترض 40 من أصل 47 سناتوراً ديمقراطياً ضد تزويد الجيش الإسرائيلي بجرافات، بينما عارض 36 منهم توريد القنابل. ويعتبر هذا الارتفاع مؤشراً على تحول في المواقف داخل الحزب الديمقراطي.
وقال خبراء سياسيون إن هذه التصويتات تعكس رفضاً متزايداً بين الأميركيين لإنفاق أموال دافعي الضرائب على دعم إسرائيل عسكرياً، وسط تصاعد الجدل حول السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.







Leave a Reply