ديربورن
في ظل أزمة النزوج التي فرضها العدوان الإسرائيلي على لبنان، ومع تزايد أعداد النازحين وارتفاع حجم الاحتياجات الإنسانية، سارعت عدة مؤسسات لبنانية أميركية في منطقة ديربورن إلى إطلاق مبادرات إنسانية متزامنة لإغاثة المتضررين من الحرب، وقد أثمرت تلك الجهود عن إرسال عدة حاويات محمّلة بمختلف الاحتياجات الأساسية والطبية.
المبادرات التي عكست مستوى عالياً من التنظيم والتكامل بين مؤسسات الجالية، لم تكن مجرد استجابة عفوية، بل جاءت نتيجة تنسيق دقيق وجهود متواصلة قادتها القنصلية العامة للجمهورية اللبنانية في ديترويت، برئاسة القنصل العام إبراهيم خليل شرارة، الذي واكب مختلف مراحل العمل، وساهم في توجيه الجهود نحو تلبية الاحتياجات الفعلية داخل لبنان.
وقال شرارة إن هذه المبادرات انطلقت من قراءة واقعية للوضع الإنساني، مؤكداً أن «المبادرة مبنية على تقييم دقيق لاحتياجات أهلنا النازحين، لضمان تقديم مساعدات نوعية وفعّالة، بعيداً عن العشوائية»
وأضاف أن القنصلية حرصت على توحيد الجهود ضمن إطار منظم، مشدداً على أن «العمل الجماعي بين مؤسسات الجالية هو الأساس لتحقيق نتائج حقيقية، ونحن سعينا إلى توجيه هذه المبادرات بما يخدم الفئات الأكثر حاجة».
ولم يقتصر دور القنصلية على التنسيق، بل شمل أيضاً تسهيل الإجراءات اللوجستية، والتواصل مع الجهات الرسمية في بيروت، لضمان وصول المساعدات بسلاسة إلى مستحقيها. كما أكد شرارة أن القنصلية العامة على أتم الاستعداد لتقديم الدعم الكامل لأبناء الجالية، خصوصاً في ما يتعلق بعمليات الشحن، قائلاً: «القنصلية جاهزة لتقديم كل المساعدة الممكنة، ونعمل على تسهيل كافة المعاملات، لا سيما ما يتعلق بالشحن، لضمان إيصال المساعدات بأسرع وقت ممكن».
إقبال كثيف
على المستوى الميداني، تحوّل «المجمع الإسلامي الثقافي» في ديربورن إلى نقطة ارتكاز رئيسية للحملة التي أطلقتها القنصلية بالتعاون مع مؤسسة «مدرار–الولايات المتحدة»، حيث شهد الموقع تدفقاً لافتاً للمتبرعين.
ومع الأيام الأولى للحملة، توافد أبناء الجالية بكثافة، حاملين الملابس والبطانيات ومستلزمات الأطفال والمواد الصحية، حيث تكدّست المساعدات داخل مبنى «المجمع» على شارع شايفر في مشهد عكس حجم الإقبال وروح التضامن بين أبناء الجالية.
وأوضح شرارة أن حجم التبرعات فاق التوقعات، مشيراً إلى أنه تم في البداية تأمين حاوية شحن متوسطة الحجم بالتعاون مع شركة «كومباس» بإدارة علي خليفة، إلا أن التدفق الكبير للمساعدات، حتى من خارج ولاية ميشيغن، استدعى تأمين حاوية أكبر.
وقال: «شهدنا إقبالاً كبيراً من أبناء الجالية، ليس فقط في ميشيغن بل من ولايات أخرى، ما دفعنا إلى توسيع القدرة الاستيعابية، ونحن نعمل على التحضير لحملة جديدة قريباً».
كما نوّه بالدور الأساسي الذي لعبه المتطوعون، موجّهاً الشكر إلى جميع المشاركين، ومثنياً على فرق العمل من مؤسسة الأمل الاجتماعية، إلى جانب مختلف أبناء الجالية الذين ساهموا في عمليات الفرز والتنظيم.
من جهته، أكد الشيخ باقر برّي، إمام «المجمع الإسلامي»، أن ما شهدته الحملة تجاوز كونه نشاطاً إغاثياً، ليصبح تجربة إنسانية متكاملة عكست تلاحم أبناء الجالية.
وقال إن «المجمع» تحوّل خلال أيام الحملة إلى مساحة جامعة، التقت فيها مختلف أطياف الجالية، حيث حضر الناس من خلفيات متنوعة ليقدموا ما يستطيعون، في صورة جسّدت وحدة الهدف والمصير.
وأضاف أن المتطوعين لعبوا دوراً محورياً في إنجاح الحملة، إذ تولّوا مهام استقبال التبرعات وفرزها وتصنيفها، وترتيبها وفق آلية منظمة، ما ساهم في تسهيل تجهيزها للشحن بكفاءة عالية.
وأشار إلى أن «العمل الجماعي المنظم هو الذي يصنع الفرق، وما رأيناه هو نموذج حيّ لما يمكن أن تحققه الجالية عندما تتكاتف».
كما لفت إلى أن المشهد الإنساني داخل المجمع، من كبار السن الذين حرصوا على المساهمة، إلى الأطفال الذين شاركوا بما لديهم، عكس عمق الانتماء الذي يحمله أبناء الجالية تجاه وطنهم الأم.
الفئات الأكثر هشاشة
إلى جانب الحملة المشتركة، أطلقت مؤسسة «مدرار» مبادرة إنسانية مستقلة ركّزت على دعم النساء والأطفال النازحين، إلى جانب تعزيز الخدمات الصحية في مراكز الإيواء.
وأكد رئيس «مدرار–الولايات المتحدة» الدكتور بلال عبدالله أن المؤسسة تعمل على تقديم استجابة إنسانية متكاملة، تشمل الرعاية الصحية والخدمات الإغاثية، مع التركيز على الفئات الأكثر ضعفاً.
وقال إن «مدرار» توسّع نطاق خدماتها عبر العيادات المتنقلة، لتوفير الرعاية الطبية الأساسية والأدوية، خصوصاً للحالات المزمنة، مباشرة داخل مراكز الإيواء.
كما أشار إلى أن المؤسسة تعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة العامة في لبنان، لتقديم التوعية الصحية والدعم النفسي، في ظل الضغوط الكبيرة التي تواجهها العائلات النازحة. وأضاف أن النساء والأطفال هم الأكثر تأثراً بالأزمة، حيث تبرز الحاجة إلى خدمات صحية مستمرة، ودعم نفسي، ورعاية خاصة بصحة الأم والطفل، إلى جانب المستلزمات الأساسية.
وأكد أن المؤسسة تعتمد آليات دقيقة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، رغم التحديات اللوجستية، مشيراً إلى أن التعاون مع القنصلية ساهم في تعزيز فعالية الحملة وتوسيع نطاقها.
دعم طبي واسع
أما على صعيد الدعم الطبي، فقد برزت مبادرة المجلس الاغترابي اللبناني للأعمال LIBC، برئاسة الدكتور نسيب فواز، كإحدى أبرز المبادرات الإنسانية.
وشملت المبادرة تجهيز عشر حاويات من المعدات الطبية والأدوية الأساسية، إلى جانب تعهدات مالية تجاوزت 200 ألف دولار، لدعم المستشفيات في مختلف المناطق اللبنانية، لاسيما في الجنوب.
وقد تم شحن خمس حاويات خلال الأسبوع الماضي، محمّلة بمساعدات طبية تُقدّر قيمتها بنحو 3.4 مليون دولار، على أن تصل إلى لبنان خلال الشهر المقبل، حيث سيتم توزيعها بالتنسيق مع وزارة الصحة العامة.
وأوضح شرارة أن دور القنصلية في هذه المبادرة اقتصر على تسهيل الإجراءات والتنسيق مع الجهات المعنية في بيروت، لضمان إدخال الشحنات وتسليمها وتوزيعها على المستشفيات المستفيدة.







Leave a Reply