محمد العزير
مرّت هذا الأسبوع، وتحديداً يوم الإثنين، في الثالث عشر من نيسان، الذكرى السنوية الخمسون لبداية آخر حرب أهلية مفتوحة في لبنان، وسط أجواء توحي بأن اللبنانيين بمعظم نخبهم وقواهم ومحلليهم وإعلامهم، يُعدون أو يستعدون أو يتوقّعون حرباً أهلية جديدة، وسط أحوال بائسة تراكمت خلال سنتين ونصف من الحرب الإسرائيلية المفتوحة، التي أدت إلى سقوط أكثر من 4,000 قتيل ونحو 17 ألف جريح و1.3 مليون نازح، وإعادة إحتلال أجزاء واسعة من الجنوب، وتدمير البنى التحتية التي فاق حجم أضرارها 12 مليار دولار، وتدمير حوالي 100 ألف وحدة سكنية، وانقسام سياسي بلغ الحضيض لغةً ومنطقاً وكيديةً جعلت من الأبواق أكثر فعالية من القيادات، والمدهش أن هذا المشهد المريع ليس كافياً لتبريد الرؤوس الحامية.
لا تقتصر معضلة لبنان على عدم الاتعاظ من الوقائع الماثلة أمام الجميع، بل تتعدّاها إلى عدم الاستفادة من دروس التاريخ الكثيرة، وهذا ما أبقى لبنان كياناً واحداً من حيث الشكل، لكنه في المضمون وعاء من المكونات الطائفية والمذهبية غير المتجانسة تتعمّد نخبها التي تتداول النفوذ فيه على التربّص ببعضها البعض، والسعي إلى الاستفراد بالسلطة والقرار، مستفيدة من تغييرات موازين القوى الإقليمية والدولية حولها دون أن تراهن ولو مرة واحدة على المعطى الداخلي، أو على رغبات ومصالح الناس كمواطنين، بل كانت ولا تزال تنظر إلى «الشعب» ككتل طائفية قابلة للتعبئة والتجييش غبّ الطلب، للتناحر فيما بينها حسب التقلبات، ولذلك كانت الديموغرافيا سلاح النفوذ الأكثر فعالية، والأكثر توليداً للضغائن الأهلية التي تتحول بعد كل مواجهة إلى جمر يطمر تحت رماد الشعارات الزائفة مثل التعايش والإخاء والشراكة الوطنية.
دأب المؤرخون ودارسو السياسة، عند رواية تاريخ الكيان اللبناني على اعتماد تاريخين مفصليين لولادة لبنان، الأول هو العام 1590، حين تولى الأمير فخر الدين المعني الثاني إمارة الشوف التي صارت بعد معركة عنجر 1623، إمارة لبنان، والثاني هو 1920، حين أعلن المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو من قصر الصنوبر في بيروت قيام دولة لبنان الكبير في حدوده الحالية المطابقة لترتيبات اتفاقية سايكس–بيكو. لكن نظرة أكثر واقعية إلى مسار الكيان اللبناني تؤشر إلى تاريخ أهم وذي صلة أوثق بمجريات الأمور، وهو العام 1711، الذي شهد معركة عين دارة، التي حسمت الصراع القيسي اليمني الذي تعود جذوره إلى العصر الأموي كامتداد متأخر للنزاع بين القبائل القحطانية (اليمنية الأصل) والعدنانية (الحجازية الأصل) والذي سبق الإسلام بأكثر من 100 عام. لم يكن ذلك النتيجة الوحيدة أو الأبرز للمعركة، لأن أهم ما نتج عنها هو وضع الأسس الكيانية الأولى للبنان الحديث ورسم خطوط التماس الطائفية فيه.
تواجه في معركة عين دارة، اليمنيون بقيادة محمود باشا أبو هرموش وأمراء آل علم الدين الدروز بدعم من السلطنة العثمانية، والقيسيون بقيادة الأمير السني حيدر الشهابي على رأس تحالف مختلط كانت القوة الضاربة فيه عائلات درزية عريقة مثل آل نكد وجنبلاط وتلحوق وأبي اللمع وعبد الملك، إلى جانب عائلات مارونية مثل آل الخازن وآل حبيش، وعائلات شيعية مثل آل حرفوش وآل حمادة، فضلاً عن عائلات سنية وكاثوليكية وأرثوذكسية متحالفة معهم.
ثبّت انتصار التحالف القيسي سلطة الأمير الشهابي وفتح الباب أمام تحولات ترجمت المعطيات المستجدة، حيث أدى نزوج عائلات درزية كبيرة كانت توالي آل علم الدين نحو حوران في سوريا، إلى ضمور الوجود الدرزي في جبل لبنان، وكذلك إلى بداية تهميش الشيعة وإخراجهم من المتن ولاحقاً جبيل وكسروان وجزين، ودفعهم نحو البقاع والجنوب، وكان الموارنة المستفيد الأكبر من ذلك، حيث بدأ الأمير حيدر الشهابي في منحهم الإقطاعيات التي كانت لآل علم الدين، وتكليفهم بإدارة المناطق الدرزية والشيعية بوتيرة متسارعة تناسب الزخم الديموغرافي الكبير الذي رفدته هجراتهم من مناطق الشمال نحو الجبل، فضلاً عن تحوّل عائلات درزية (أبرزهم آل أبي اللمع)، وسنية وشيعية إلى المسيحية وخصوصاً الكنيسة المارونية. وهكذا ارتسمت الخطوط العريضة للمجتمع اللبناني، الذي شهد بكيفية ما، نوعاً من الارتباط الكياني داخل الحدود التي كرسها إعلان لبنان الكبير بعد قرنين من الزمن حفلا بالعديد من النزاعات والخلافات السياسية والعسكرية والتقلبات الديموغرافية التي لا تزال تتفاعل حتى يومنا هذا.
جاء في مقدمة الدستور اللبناني: «لبنان وطن سیّد حرّ مستقل، وطن نهائي لجمیع أبنائه»، ويبدو أن الكلمة الوحيدة في هذا النص، والتي لا خلاف عليها، هي لبنان، وبصرف النظر عن محدودية السيادة والحرية والاستقلال، لم تنظر النخب اللبنانية إليه كوطن نهائي، خصوصاً عندما تقترن النظرة بـ«جميع أبنائه»، والملفت أن مفهوم لبنان كدولة قوبل منذ اللحظة الأولى لإعلانه، برفض واسع من السنة والشيعة وأحداث ما تبع إعلان غورو مشهودة وموثقة ولاسيما الحرب الأهلية المصغرة التي شهدها جبل عامل والتي استغلها الانتداب الفرنسي تمهيداً لحملة العقيد الفرنسي نيجر (1920) الذي استباح بنت جبيل ومعظم الحواضر في الجنوب بحجة قمع التمرد الشيعي بعد مؤتمر وادي الحجير الشهير.
وإذا كانت سياسة الانتداب اللاحقة أدت إلى استقطاب زعامات إسلامية وازنة للقبول بالدولة اللبنانية خصوصاً بعد إقرار الدستور الأول (1926)، وصولاً إلى ما عرف بـ«الصيغة» اللبنانية عشية الاستقلال، والتي تُرجمت في أول عهد استقلالي (1943)، لم يحسم ذلك الجدال حول نهائية الوطن، ولا في تحديد «أبنائه» جميعاً، ولعب قيام إسرائيل على أرض فلسطين دوراً هائلاً في منع الاستقرار، فبقيت مسألة الوطن قابلة للتصرف والتأويل، وساهم نشوء العقائد الحديثة في تكريس التشكيك فيه، فمن الشيوعية التي اتخذها أتباعها مبدأ الأممية مسوّغاً لعدم القبول بـ«شرعية» وطنية إلى العقيدة القومية الاجتماعية التي نادت بسوريا الكبرى، ثم «البعث» الداعي إلى الأمة العربية الواحدة، وصولاً إلى الإسلام السياسي والجمهورية الإسلامية اللذين نظّرا إلى لبنان كجزء من خلافة أو ولاية قيد التشكل! وفي المقابل، كانت دعوات التقسيم أو الانفصال على أساس طائفي أو ديني قيد التداول الدائم.
جرّبت النخب اللبنانية حتى الآن، كل شيء في لبنان، وخصوصاً التعويل على الخارج من أجل فرض مفهومها (كل على حدة) للبنان الذي تريد، وهي تجارب مريرة أدت إلى الكثير من العنف والقتل والدمار والتهجير وهدر الإمكانات وإضاعة الفرص، إلى درجة فرضت على كل من يريد أو يحاول العمل على صيغة وطنية جامعة، التراجع إلى خلف خطوطه المذهبية والطائفية كحصن أخير للبقاء (الحريرية السياسية مثال صارخ على ذلك)، أو الاعتزال والمغادرة (العميد ريمون إده مثالاً)، لكن الشيء الوحيد الذي لم تجرّبه هو جعل برامجها (وليس أدبياتها فقط) تنطلق من لبنان وتصبّ فيه من أجل بناء دولة عصرية يكون الانتماء فيها للوطن أولاً.
اليوم، في الذكرى الخمسين للحرب الأهلية، التي انطلقت مع حادثة بوسطة عين الرمانة، ووسط هذا الدمار العميم، يقف لبنان أمام لحظة مصيرية وأبواب الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، فهل سيخرج لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، أم سيكون هناك المزيد من جمر الضغائن والأحقاد ليُطمر تحت المزيد من رماد الشعارات الزائفة في انتظار جولة دامية جديدة؟






Leave a Reply