ابتسام خنافر
في ميشيغن، لا يحتاج الناس إلى التقويم ليعرفوا أن الصيف قد بات على الأبواب، فمع حلول عيد «الميموريال» يعرف الجميع هنا، أن موسم السياحة والسفر البري قد انطلق.
فبداية الصيف في ميشيغن تشبه الذكريات القديمة؛ سيارات محمّلة بحقائب السفر، طرق طويلة تمتد عادةً نحو الشمال، وعائلات تنتظر بضعة أيام من الراحة بعد شتاء قاسٍ وطويل. في مثل هذا الوقت من كل عام، كانت فكرة السفر تبدو بسيطة، أشبه بعادة موسمية يعرفها الجميع. مجرد قرار سريع، بعض الحقائب في صندوق السيارة، ثم يبدأ الطريق. لكن هذا الصيف يبدو المشهد مختلفاً… مختلفاً إلى درجة أن الرحلة نفسها أصبحت تبدأ بالقلق قبل أن تبدأ بالحماس.
في محطات الوقود، يمكن رؤية ذلك بوضوح. هناك، تحت الأضواء البيضاء الساطعة، يقف الناس بصمت طويل وهم يراقبون الأرقام ترتفع على شاشة المضخة بسرعة تكاد تكون مؤلمة. صدى الوقود المتدفق داخل الخزان يمتزج بصوت العداد الذي لا يتوقف، فيما تتغير ملامح الوجوه تدريجياً مع كل رقم جديد يظهر على الشاشة. أربعون دولاراً.. خمسون.. ستون.. ولا يزال الخزان لم يمتلئ بعد.
رجل يمرر يده على وجهه بتعب وهو يحدق في المبلغ النهائي قبل أن يعيد المضخة إلى مكانها ببطء.
امرأة تنظر إلى أطفالها في المقعد الخلفي، ثم تعود بعينيها إلى شاشة الوقود وكأنها تحاول أن تقرر في تلك اللحظة إن كانت الرحلة تستحق كل هذا الإنفاق.
شاب يوقف التعبئة قبل امتلاء الخزان، ليس لأن السيارة اكتفت، بل لأن بطاقته البنكية ربما لم تعد تحتمل أكثر.
في المكان تختلط رائحة البنزين الثقيلة برائحة القهوة الخارجة من المتجر الصغير داخل المحطة، بينما تدور أحاديث قصيرة ومتعبة بين الغرباء. الجميع يتحدث عن الشيء نفسه: الأسعار. كم أصبح ملء سيارتك يكلّفك؟ كم ميلاً ستستغرق الرحلة؟ كم ميلاً تقطع مركبتك في الغالون؟ وهل ما زال بإمكان العائلات أن تستمتع بصيف طبيعي كما في السابق؟
في ميشيغن، حيث تعتمد الحياة على السيارة في كل تفصيل تقريباً، لا تبدو أسعار البنزين مجرد أرقام تُذكر في الأخبار أو على شاشات التلفزيون. إنها شيء يراه الناس بأعينهم كل يوم، ويشعرون بثقله خلال تفاصيل حياتهم الصغيرة؛ في الطريق إلى العمل، وفي زيارة العائلة، وفي الرحلات التي كانت يوماً ما جزءاً عادياً من الصيف الأميركي.
ومع ارتفاع أسعار الفنادق والطعام والسفر، أصبحت فكرة الهروب لبضعة أيام إلى البحيرات أو المدن الشاطئية الصغيرة في شمال الولاية تحتاج حسابات طويلة قبل اتخاذ القرار. الرحلات التي كانت عفوية أصبحت مرتبطة بالميزانية، وعدد الأيام والمسافة وحتى بعدد المرات التي سيتوقف فيها السائق لتعبئة الوقود.
ولكن رغم كل ذلك، تستمر السيارات في الخروج إلى الطرقات مع بداية الصيف. ما زالت العائلات تحاول التمسك بفكرة الإجازة، ولو كانت أقصر من المعتاد.
ما زال الأطفال ينامون في المقاعد الخلفية بينما تمتد الطرق الطويلة أمامهم، وما زالت النوافذ تُفتح ليدخل هواء مايو البارد قليلاً، وكأن الناس يحاولون التمسك بشعور قديم اسمه «بداية الصيف».
لكن شيئاً ما تغيّر هذا العام. هناك ثقل واضح يرافق الطريق. الكل ينتظر ما ستؤول إليه الأوضاع في مضيق هرمز. قلق صامت يجلس داخل السيارات إلى جانب الحقائب والمسافرين. حتى اللحظات التي كان يفترض أن تكون مليئة بالحماس أصبحت محاطة بالحسابات والأسئلة والخوف من التكلفة القادمة.
وربما لهذا السبب، لم يعد الصيف في ميشيغن يبدأ عند الشاطئ أو عند البحيرة كما كان دائماً. بل يبدأ هنا، عند محطة الوقود، أمام شاشة رقمية صغيرة، حيث يقف الناس بصمت وهم يشاهدون تكلفة الطريق ترتفع أمام أعينهم غالوناً بعد آخر.






Leave a Reply