ابتسام خنافر
أماكن تتحول، مع أول مساء دافئ، إلى مساحة تلاق واسعة يلجأ إليها الجميع من صخب الأيام ومللها.
من عتمة الجدران المغلقة، ومن التعب المزمن الذي يحمله الناس بعد أشهر طويلة من البرد والصقيع والطقس المثير للاكتئاب.
إنها الحدائق العامة، تلك المساحات الخضر التي تجمع كل الناس مهما اختلفت مشاربهم ومهما تعددت همومهم. هناك تُفرّغ الأثقال… في أحضان الطبيعة، وسط ضحكات الأطفال ووسط الأشجار المشتاقة لمن يؤانس وحدتها.
في المساء، كانت الشمس تهبط ببطء شديد، كأنها لا تريد أن تغادر.
ضوؤها الذهبي انسكب فوق الأشجار المنتصبة، فتوهجت الأوراق الخضراء بلون دافئ يشبه الحنين.
أما البحيرة، فبدت ساكنة على نحو غريب، بلون أزرق عميق تتكسر فوقه خيوط الضوء الأخيرة كأن الماء يحتفظ ببقايا النهار داخله.
الهواء كان ممتلئاً بروائح الصيف المقبل.
رائحة الفحم المشتعل والعشب الدافئ والماء والدخان الأبيض المتصاعد من الشوايات المنتشرة تحت الأشجار.
وفي الخلفية، كانت أصوات البشر تمتزج كلها معاً: قهقهات، موسيقى بعيدة، نداءات متقطعة، وصوت النسيم وهو يداعب الأغصان.
كل شيء بدا حيّاً بعد موت.
أطفال يركضون بلا تعب فوق الممرات الحجرية، دراجات صغيرة تمر مسرعة ثم تختفي بين الأشجار، وأناس يفترشون العشب كأنهم قرروا، ولو لساعات قليلة، أن يتركوا العالم خلفهم ينتظر.
أكثر ما يشدّ الانتباه لم يكن الغروب، ولا البحيرة، ولا حتى جمال الطقس.. بل البشر أنفسهم. كأن العالم كله اجتمع هنا: الأوروبية البيضاء التي جلست قرب الماء تقرأ كتاباً وتترك قدميها تداعبان العشب، والعربية التي تنادي أبناءها بينما ترتب الطعام فوق الطاولة الخشبية، وآخر يضحك بصوت مرتفع وهي تروي قصة عائلية قديمة بانتظار الدفعة الأولى من اللحم المشوي.
رجل يقف أمام الشواية وكأنه يدير طقساً مقدساً من طقوس الصيف، مكسيكيون وأفارقة أميركيون يملؤون المكان بالموسيقى والضحكات وبعض نسمات الماريوانا التي تعبق بين الفينة والأخرى، عائلة آسيوية تلتقط صور الغروب بصمت وتأمل.
كل الأجناس كانت هناك، لكن أحداً لم يشعر بأنه غريب في المكان.
في تلك اللحظات، بدا البشر متشابهين أكثر مما نظن. فالخوف نفسه يظهر في عيني أي أب حين يسقط ابنه عن الأرجوحة.
الأمهات جميعاً ينادين أبناءهن بالنبرة ذاتها حين يحل وقت جمع الأغراض والرحيل.
الضحكة الصادقة تبدو واحدة مهما اختلفت اللغة.
تحت شجرة واسعة، كانت شابة في مقتبل العمر تتعلق بذراع شاب وهي تقول له بنبرة طفولية متذمرة: «أنا جائعة…».
فيبتسم لها وهو يقلّب اللحم فوق الفحم، كأنه يعرف أن نصف جمال الصيف يكمن في هذا الانتظار الطويل حول النار
قرب البحيرة.
ركض طفل صغير بحماس مفاجئ نحو الماء، فارتفع صوت والده سريعاً: «انتبه! لا تقترب أكثر!».
ركض خلفه بخوف غريزي لا يحتاج إلى ترجمة، ذلك الخوف الذي يجعل جميع الآباء متشابهين مهما اختلفت أصولهم.
وعلى طاولة قريبة، كانت امرأة متأفّفة ترتب الأكواب البلاستيكية بتعب واضح، ثم التفتت إلى زوجها قائلة: «ألم يكن الذهاب إلى مطعم أسهل من كل هذا؟».
يضحك الرجل وهو يحاول إشعال الفحم لمرة أخرى، ويقول بحسرة: «لكن المطاعم لا تملك هذه السماء».
واصلتُ المشي ببطء، أراقب التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها الحقيقي: امرأة تمشي وكلبها الصغير يسبقها بخطوات متحمسة، رجل مسن يجلس وحده قرب الماء كأنه جاء ليستعيد ذكرى قديمة، شبان يضحكون حول لعبة ورق، وفتاة ترفع هاتفها نحو السماء محاولةً أن تحتفظ بصورة للغروب قبل أن يبتلعه عتم الليل.
ثم اقترب مني رجل مع حفيدته، نظر إلى الأشجار والناس والبحيرة، وقال مبتسماً: «وأخيراً… بدأ فصل الربيع».
نظرتُ إلى السماء للحظة، ثم قلت له بهدوء: «بل بدأ الصيف للتو… أما الربيع، فأظنّه رحل قبل أن نشعر به».
ضحك الرجل ومضى، بينما بقيتُ واقفةً أراقب خيط الشمس الأخير وهو يذوب فوق سطح الماء.
في تلك اللحظة، أدركت شيئاً بسيطاً للغاية: أن البشر، رغم كل ما يفرقهم من لغات وجنسيات وملامح وحكايات، يعودون دائماً إلى الأشياء نفسها… إلى الماء والشجر والغروب والطعام والضحكات العابرة وتلك الرغبة القديمة جداً بأن يشعر الإنسان، ولو لساعات قليلة، بأن الحياة ما زالت بخير.







Leave a Reply