إبتسام خنافر
قبل أيام، كنت أقرأ عن رائد صناعة السيارات هنري فورد، وشاهدت فيلماً وثائقياً عن حياته. أكثر ما علق في ذهني لم تكن السيارات والمصانع وخطوط الإنتاج، إنما علاقته بابنه. شعرت بالغضب تجاهه أحياناً، وبالحزن على ابنه أحياناً أخرى. رأيت أباً شديد التمسك بما يؤمن به، وابناً يحاول أن يجد مكانه في عالم يتغير. انتهى الوثائقي، وبقيت أفكر في تلك العلاقة، وفي المسافة التي تفصل أحياناً بين جيل وآخر.
بعد أيام، أبلغني رئيس التحرير، دعوةً للمشاركة في جولة إعلامية داخل دارة «فيرلين»، منزل كلارا وهنري فورد التاريخي على ضفة نهر الروج في مدينة ديربورن.
قبلت الدعوة دون تردد، ولكن استوقفتني المصادفة، فقبل بضعة أيام فقط، كنت أشاهد حياة هذا الرجل من خلف شاشة وأحاول فهمه، وها أنا في طريقي اليوم إلى المنزل الذي عاش وتوفي فيه.
في طريقي إلى «فيرلين»، أخذني اسم فورد إلى حكاية أقرب إلينا. فكرت في المهاجرين العرب الأوائل الذين أتوا إلى ميشيغن، حيث كانت مصانع فورد توفر فرصة للعمل وتأسيس حياة جديدة.
لم تفارقني جمل يكررها كثير من العرب الأميركيين هنا في ميشيغن: «جدي كان يعمل في فورد»، أو «أبي تقاعد من فورد»، أو «أخي وابني يعملان فيها اليوم». جملة تقال ببساطة، ولكنها تخفي وراءها تاريخاً كاملاً.
تخيلت ذلك الجد الذي وصل إلى حي ديكس في جنوب ديربورن وفي قلبه خوف الغربة وأمل البداية. لم يكن يعرف الإنكليزية جيداً، ولم يكن يعرف ماذا تخبئ له بلاد العم سام. عرف أن هناك عملاً مجزياً، فذهب إليه قاصداً أفقاً جديداً. استيقَظ باكراً، وقف ساعات طويلة في المصنع، وعاد إلى بيته متعباً. كان يجمع راتباً يؤمّن به مستقبل عائلته. لم يكن يدرك أن صاحب المصنع الذي وفر له الوظيفة يمهد الطريق لمجتمع جديد وأجيال لم تولد بعد.
هنا تكمن أكثر أجزاء الحكاية تأثيراً. ذلك العامل كان يعود إلى منزله بعد انتهاء الدوام ليرى طفله ينمو في البيت ويدخل المدرسة ثم الجامعة فيصبح طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو رجل أعمال مبتكِر.
لم يكن يتخيل أن أحفاده سيملكون الشركات والمصانع، وأن بعضهم سيصل إلى مواقع المسؤولية وصناعة القرار. كان ذلك العامل يعمل من أجل قوت يومه، فيما كان تعبه يروي جذور غد مشرق.
لم يعد الحديث اليوم عن مهاجرين عرب يبحثون عن لقمة عيش كريم في أميركا. نحن نتحدث عن عرب أميركيين، عن أبناء البلد، أباً عن جدّ. عن أجيال وُلدت هنا، درست في مدارسها وجامعاتها، أسست أعمالها وربّت أبناءها، وأصبحت جزءاً من اقتصاد ميشيغن ومؤسساتها وحياتها العامة. حملوا أسماء أجدادهم وذاكرة بيوتهم وجذورهم العربية، وحملوا أيضاً انتماءهم إلى البلد الذي ولدوا وعاشوا فيه.
المدينة التي جاء إليها أجداد وآباء بحثاً عن عمل أصبحت اليوم مدينة يشارك العرب الأميركيون في صناعة حاضرها ومستقبلها. أسسوا الشركات والمتاجر والمصانع والمراكز الطبية والمؤسسات، وأصبحوا أطباء وأساتذة وأصحاب أعمال ومسؤولين ومنتخبين وأصحاب قرار. لم تتغير حياتهم في ميشيغن فقط، وجودهم وعملهم وأبناؤهم غيّروا ميشيغن وديربورن أيضاً.
وأنا أدخل قصر «فيرلين»، كان الزمن حاضراً بطريقة غريبة. هناك، يُعاد منزل هنري وكلارا فورد اليوم إلى صورته الأولى التي كان عليها عام 1919، فمنذ سنوات عديدة، تعمل فرق المتخصصين على استعادة معالم المبنى بأدق تفاصيله، فيما تضج المدينة خارجاً في عالم آخر صنع جزئياً خلف أسوار هذا القصر.
في ذلك المساء، عدت إلى الوثائقي في محاولة جديدة لفهم علاقة هنري فورد بابنه. كنت أرى الأمر بدايةً كمجرد صراع بين أب وابنه، ولكنه في الواقع قصة آلاف الآباء والأبناء… قصة جيل حمل تعب البداية حتى يستطيع الجيل التالي أن يبدأ من مكان أفضل.
وربما لو عاد أحد أولئك العمال العرب اليوم، لن يبحث أولاً عن المصنع الذي أمضى فيه عمره. قد يبحث عن أحفاده. قد يرى حفيده طبيباً، وحفيدته أستاذة جامعية، وآخر صاحب شركة وحفنة محطات وقود، وآخر في موقع قرار، وربما يجد واحداً منهم ما زال يعمل في فورد التي عمل فيها هو. عندها سيكتشف أنه عندما كان يعود متعباً إلى بيته كل مساء، لم يكن جهده فقط من أجل راتب.
كان يفتح كوة في جدار خلفه سبعة بحار، دخل منها أبناؤه، ثم أحفاده، حتى أصبحوا من أبناء هذا البلد ويشاركون في صنع مستقبله.






Leave a Reply