إبتسام خنافر
في ديربورن وديربورن هايتس، وتحديداً في الأحياء ذات الكثافة العربية، لا يعني باب الكاراج المفتوح دائماً أن سيارة ستدخل أو ستخرج. بل في كثير من الأحيان، يعني أن الجلسة قد بدأت.
كنبة، سجادة، ثلاجة، طاولة للقهوة والشاي والضيافات وأرجيلة في الزاوية وشاشة كبيرة للمباريات والأخبار. بعض الكاراجات بقيت بسيطة، وبعضها جُهّز بالبلاط والإضاءة والكنبات والثلاجات والشاشات، حتى صار أقرب إلى غرفة جلوس ثانية. أما السيارة، صاحبة المكان الأصلية، فغالباً ما تجد لها مكاناً في الخارج.
ومع الوقت، صار لكل كاراج تقريباً نظامه غير المكتوب. هناك من يجلس دائماً في الزاوية، ومن يختار الكرسي القريب من الباب، ومن يمر كل مساء تقريباً، ومن يأتي مرة في الأسبوع. وإذا جلس شخص جديد على كرسي اعتاده أحد الرواد، قد يسمع ضاحكاً: «هذا مكان فلان».
ولا تحتاج الجلسة إلى دعوة. إذ يمر أحدهم أمام البيت، يرفع يده بالتحية، فيدعوه الجالسون إلى الدخول. يقول إنه مستعجل، فيقف عند الباب قليلاً، ثم يظهر كرسي، ويصل فنجان القهوة، وبعد دقائق يصبح جزءاً من الحديث.
الأحاديث نفسها، لا تعرف طريقاً مستقيماً. تبدأ من طقس ميشيغن، ومن الثلج الذي طال أو الحر الذي جاء فجأة، ثم تنتقل إلى العمل وأسعار البيوت والأولاد والزواج… يدخل شخص جديد فيحمل معه خبراً آخر، فتتغير الجلسة كلها. من ديربورن إلى لبنان وفلسطين والعراق واليمن، ثم إلى السياسة الأميركية، ومنها إلى مباراة أو أغنية أو شخص يعرفه نصف الجالسين.
وفي السياسة تحديداً، يتحول الكاراج أحياناً إلى برلمان صغير.
ترتفع الأصوات، تتداخل الجمل، ويقسم أحدهم أن الآخر لم يفهم ما يقصده أصلاً. شخص يحاول تهدئة الحديث، وآخر يزيده اشتعالاً، وثالث يضحك و«يُنكْوز» بالجميع. قد يغضب البعض ويقسم أنه لن يفتح هذا الموضوع مرة أخرى.
… ثم تُصبّ القهوة.
يقول أحدهم كلمة مضحكة، فيبتسم الذي كان غاضباً قبل دقائق، فتعود الجلسة إلى المربع الأول. ولكن في اليوم التالي لا بد أن ينشب الخلاف مجدداً، وغالباً، من النقطة التي انتهى عندها البارحة.
هذه التفاصيل ليست غريبة على من عرف المصطبة أو ساحة القرية أو المقهى في بلادنا. هناك أيضاً كانت الجلسة تبدأ بعابر، ثم يتسع المكان لشخص آخر. أمام البيت كان يكفي أن يمر جار حتى يُفسح له كرسي، ومن الداخل يصل فنجان قهوة أو إبريق شاي وصحن فاكهة.
في ساحة القرية، كان الجالس يعرف أخبار الناس من حركة الطريق نفسها: طفل يركض خلف كرة، رجل عائد من عمله، أم تنادي على ابنها من الشرفة، وبائع متجول يسبقه صوته. أما في المقهى، فلكل مجموعة طاولتها، وللزبائن عادات يعرفها العامل؛ قهوة، أرجيلة، أحجار نرد، مباراة، وصحيفة تنتقل بين الأيدي.
حتى سطح البيت كان يؤدي دوره في ليالي الصيف. يُرش بالماء عند الغروب، تُحمل الكراسي إلى الأعلى، وتبدأ السهرة مع أول نسمة بعد يوم حار. أصوات الجيران تصل من الأسطح القريبة، والأحاديث تمتد من بيت إلى آخر.
الهجرة غيّرت شكل المكان، ولكنها لم تغيّر هذه العادة المتجذرة.
في ديربورن، وجد الناس أمامهم مساحة جاهزة وملتصقة بالبيت ومفتوحة على الشارع: الكاراج. شيئاً فشيئاً، خرجت منه إكسسوارات السيارة ومعدات الحديقة ودخلت إليه تفاصيل الجلسة. كنبة بدل المساحة الفارغة، وثلاجة للماء والمشروبات، وطاولة للقهوة، وشاشة للمباراة، وكراسٍ تكفي لمن يأتي من دون موعد.
وهكذا أصبح الكاراج مكاناً بين البيت والشارع. لا هو زيارة رسمية تحتاج إلى موعد، ولا هو مقهى يحتاج المرء إلى أن يقصده. يمكن لشخص أن يمر ليسلّم فقط، ويمكن لجار أن يقف عند الباب، ويمكن لصديق أن يأتي بعدما لمح السيارات وعرف أن الجماعة مجتمعة.
وفي هذه المساحة الصغيرة تدور حياة اجتماعية كاملة. هناك من يحضر القهوة دائماً، ومن يتولى الأرجيلة، ومن يعرف أخبار الجميع، ومن لا يستطيع أن يترك موضوعاً يمر من دون تعليق. هناك من يحب المزاح، ومن يأخذ النقاش بجدية، ومن يدخل صامتاً ثم يصبح بعد نصف ساعة أعلى الموجودين صوتاً.
حتى الخلاف له عاداته. قد يزعل اثنان، ويتوقف الحديث بينهما قليلاً، ثم يحتاج الأمر إلى فنجان قهوة أو مزحة من شخص ثالث أو سؤال عابر حتى تعود الأمور إلى طبيعتها. لا توجد جلسة مصالحة رسمية في كل مرة. أحياناً يكون مجرد أن يعود الشخص في المساء التالي ويجلس في مكانه كافياً لفهم أن الخلاف انتهى.
وإذا غاب أحد الرواد أياماً، يظهر اسمه في الحديث من تلقاء نفسه: «أين فلان؟ لم نره منذ فترة». يتصل به أحدهم، أو يعرف شخص آخر أنه مشغول أو مسافر. بهذه التفاصيل الصغيرة يصبح الكاراج أكثر من مكان للجلوس؛ يصبح جزءاً من شبكة العلاقات نفسها.
لهذا لم يعد غريباً أن تنام السيارة في الشارع، فيما يبقى الكاراج مشغولاً حتى ساعة متأخرة.
المكان الذي صُمم لركن السيارة صار يتسع للقهوة والأخبار والمباريات الرياضية والخلافات والضحك والصلح. أخذ شيئاً من المصطبة، وشيئاً من المقهى، وشيئاً من جلسات البيوت التي جاء بها المهاجرون معهم.
وفي النهاية، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من باب مفتوح، وعدة كراسٍ، وفنجان قهوة، وأشخاص يعرف بعضهم بعضاً، وعابر سبيل يرفع يده بالتحية، ويحاول أن يكمل طريقه متردداً.
فيأتيه الصوت من الداخل: ميّل يا غزيّل..!





Leave a Reply