محمد العزير
يُنسب إلى الرئيس الأميركي السادس والعشرين ثيودور روزفلت (1901–1909) قوله المأثور «تحدث بهدوء، واحمل عصاً غليظة؛ وسوف تذهب بعيداً»، Speak softly and carry a big stick; you will go far، جاء هذا القول الذي صار مبدأً ثابتاً في السياسة الخارجية، عندما كانت الولايات المتحدة التي انضمت في القرن التاسع عشر إلى نادي الدول العظمى، تتلمّس طريقها نحو سدّة الصدارة في الغرب الذي كان يستشرف نهاية تجربته الاستعمارية للعالم الثالث ويبحث عن بدائل تحفظ له هيمنته على موارد الكون ومصائره. استخدم روزفلت التعبير علناً للمرة الأولى، في خطاب ألقاه في مهرجان الخريف السنوي في ولاية مينيسوتا، في أيلول (سبتمبر) 1901، قبل أربعة أيام من اغتيال سلفه الرئيس ويليام ماكينلي، وتسلمه منصب الرئاسة خلفاً له، وسبق له أن استخدم التعبير نفسه قبل سنة في رسالة إلى صديق، عندما كان حاكماً لولاية نيويورك.
أملت التجربة الأميركية، كأول ديمقراطية دستورية في العالم، على نخبها الحكومية والحزبية معايير رفيعة للخطاب السياسي وأدبيات العمل العام، وكان على الذين يتصدون للشأن العام ويتبوّأون المناصب العليا أن يعتمدوا لغة سليمة ونظيفة ومتزنة، وأن يتجنّبوا قدر الإمكان التعابير النابية ولغة الشارع وزلّات اللسان، ولذلك صارت كتابة الخطابات السياسية مهنة قائمة بذاتها ولها أصولها، وصارت اللحظات الخطابية بأهمية المواقف التي تحملها إن لم تكن أوْزَن، وصار المرشحون القادرون على التواصل مع الناخبين بسلاسة وهم يستخدمون اللغة «الراقية» أوفر حظاً في الفوز، وأكثر جاذبية للمموّلين وكبار الناخبين.
وتزخر المكتبة الأميركية بأقوال مميزة خلدها التاريخ السياسي الحديث لما حملته من تعابير حيوية، بصرف النظر عن مصداقيتها الفعلية، من قول وودرو ويلسون: «ينبغي جعل العالم آمناً للديمقراطية»، إلى قول فرانكلين د. روزفلت: «الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه»، وقول دوايت أيزنهاور: «ليس في أميركا داءٌ لا يستطيع الإيمان وحب الحرية والذكاء وطاقة مواطنيها، علاجه»، وقول جون كينيدي: «لا تسأل عما يمكن لوطنك أن يفعله من أجلك… إسأل عما يمكنك أن تفعله من أجل وطنك»، وقول جيمي كارتر: «لنكون صادقين مع أنفسنا، يجب أن نكون صادقين مع الآخرين»… وصولاً إلى قول باراك أوباما: «أفضل طريقة لتجنب الشعور باليأس هي أن تنهض وتفعل شيئاً؛ فلا تنتظر أن تحدث لك الأشياء الجيدة تلقائياً».
ثم جاء العام 2015، وأعلن دونالد ترامب ترشيح نفسه للانتخابات التمهيدية للحصول على تزكية الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة، في خطابه الشهير الذي ألقاه على السلّم الكهربائي المتحرّك في ناطحة السحاب التي تحمل اسمه في نيويورك، والذي فاجأ الجميع بلغته العنصرية الفجّة وتحامله على شعوب ودول بأكملها. كانت المفاجأة في حينه مدوّية في أوساط الحزب الجمهوري الذي طالما حرص على تقديم نفسه كمؤسسة محافظة تهمها الأخلاق وتتمسك بالفضيلة والاستقامة، لكن الأيام بيّنت أن ترامب –عبر فريقه المقرّب– يعرف أهواء قاعدة الحزب ومشاعرها أكثر من القيادة التقليدية، وهو ما سمح له بجر الحزب والانتخابات والمستوى السياسي إلى منحدر لفظي وأخلاقي خصوصاً في المناظرات مع منافسيه على التزكية الحزبية، والذين غطسوا في لعبة لا يجيدونها فأنهاهم واحداً بعد الآخر مع زخّات من الشتائم والإهانات والتهكم.
وفي العام 2016، ضمن ترامب تزكية الحزب، وكان ذلك بمثابة رخصة له ليكرّس أسلوبه غير المألوف، مخيّباً آمال أقطاب الجمهوريين الذين راهنوا على إعادته إلى السياق التقليدي، ليتحولوا فعلياً، وحتى قبل الانتخابات العامة، إلى بيادق في لعبته القبيحة، أو إلى أهداف مشروعة لحملته الشعبوية التي جعلتهم منبوذين في أوساطهم المحلية ومهمشين عن صناعة القرار، والتي أوكلها ترامب إلى أمثاله من شذاذ الآفاق والمتطرفين الذين كانوا لعقود طويلة على هوامش الحياة العامة، مثل الميليشيات المسلحة، والتنظيمات العنصرية التي تتبنى الأفكار الفاشية والنازية صراحة، ولا تداري مواقفها المتعصبة التي أنعشتها حملة ترامب وجعلتها في قلب النقاش العام.
كان من الطبيعي بعد الفوز الصادم لترامب، والذي بيّن أن أميركا من تحت، لا تشبه أميركا المحترمة و«الأنيقة»، وصار ترامب وكأنه في سباق مع نفسه لـ«شرشحة» الحياة السياسية وإذلال لغتها وإهانة تقاليدها، من قوله خلال الحملة الانتخابية «بإمكاني أن أقف في وسط «الجادة الخامسة» وأطلق النار على شخصٍ ما، ولن أخسر أيّاً من الناخبين. أوكي؟»، إلى قوله «لا أحد يعرف النظام أفضل مني، ولهذا السبب أنا وحدي القادر على إصلاحه» خلال المؤتمر الحزبي الذي منحه التزكية، تتوالى الشطحات والأكاذيب يومياً في البيت الأبيض مما دفع المؤسسات الإعلامية المحترفة إلى تخصيص باب مستقل لإحصاء أقواله غير الصحيحة أو المفبركة أو المبالغ فيها، والتي بلغت في ولايته الأولى أكثر من 10 آلاف كذبة، وهو ما دفع كبرى منصات التواصل الاجتماعي «تويتر» إلى حجب حسابه ومنعه من استخدامها.
بكيفية ما، كان يمكن التسامح مع ظاهرة ترامب واعتبارها مجرد مطبّ صاخب في رحلة هادئة، لكن عودته إلى البيت الأبيض بعد خسارة الانتخابات عام 2020، ومحاولة الانقلاب في كانون الثاني (يناير) 2021، أضافت إلى تجربته الأولى أفقاً جديداً استقطب إلى حلبته شريحة فاعلة من أساطين الإنترنت والتواصل الاجتماعي، وأبرزهم إيلون ماسك الذي اشترى «تويتر» وأعاده إليها، لكن ترامب، الذي كافأ ماسك بمنصب وزاري فوق العادة، قبل صدام الغرور بينهما، كان استغل شعبويته ليطلق منصته الخاصة «تروث سوشال» التي صارت تحتكر مداخلاته وتُلزم المتابعين بزيارتها للاطلاع على آخر صيحاته و«فنعاته»، بعدما صار التسامح غير ممكن لأن رئيس الدولة العظمى الأكبر في العالم يتصرف كرئيس عصابة مزاجي.
لا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لتظهير صورة العبث الذي يمارسه ترامب، وهو عبث لا يقتصر على ألاعيب السياسة الداخلية، ولا يقف عند حد بهلوانياته الجمركية التي روّعت أسواق أميركا والعالم، بل تجاوز ذلك إلى حروب وحصارات وتهديدات تمسّ أمن الشرق الأوسط، أكثر المناطق حساسية في العالم، بالإضافة إلى أمن دول أميركا الوسطى واللاتينية، كما تقلق اقتصاد العالم أجمع وتمتحنه، فيما الرئيس يتصرّف كمراهق منبهر بحسابه على التواصل الاجتماعي. ولعلّ ما قام به خلال الأسبوع الماضي يلخّص كل المعضلة.
ففي الثالث والعشرين من شهر مايو الجاري، أعلن ترامب على منصته، أن اتفاق إطار مع إيران تمت مناقشته بشكل شبه كامل ويقضي بتمديد وقف إطلاق النار لشهرين، وفتح مضيق هرمز بلا قيود، والمباشرة في مفاوضات الحل النهائي، وأن الأمر يحتاج للمسات أخيرة قبل المصادقة عليه، لكنه في اليوم نفسه نشر صورة لخريطة إيران يغطيها العلم الأميركي مع عبارة «الولايات المتحدة الشرق أوسطية». لكنه في اليوم التالي نشر صورة كاريكاتيرية لمسيّرة أميركية تدمر سفينتين حربيتين مع كلمة «وداعاً» بالإسبانية، ليتبعها بمداخلة طويلة عن الاتفاق الذي وقّعه أوباما مع إيران معتبراً إياه كارثة، ودعا في ختامها الدول العربية وإيران للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، قبل أن يقول في مداخلة أخرى إن اتفاق الإطار لم يناقش بشكل كامل وطلب من جمهوره عدم الاستماع إلى المشكّكين لأنه «لا يعقد صفقات سيئة»، لتتوالى بعدها التراجعات وزيادة الشروط والمطالب، وصولاً إلى 27 مايو، حين أعلن أن إيران تفاوض وهي «على وشك الانهيار».
كيف يمكن لعاقل، أو لأي مسؤول يتعامل مع أميركا، أن يأخذ أي موقف رئاسي على محمل الجدّ، وكيف يمكن للعالم أن ينظر إلى رئيس يثرثر كثيراً، ويحمل مكبر صوت لا يسكت، ولا أحد يعرف ما نوع العصا التي يحملها، أو يقدر أن يخمّن الخطوة التالية، وما هو مقدار الثقة بأي اتفاق مع هكذا رئيس. سيكون على ما تبقى من أميركا مستقبلاً، أن تبذل الكثير من الجهد لتصحيح مسار انتهكه ترامب بحماس وغطرسة.






Leave a Reply