بفوزه العريض على روجرز وخطاب الكراهية
ديترويت
دخل العربي الأميركي عبدول عبد الرحمن السيد، التاريخ السياسي للولايات المتحدة كأول سناتور مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، إثر تغلّبه، يوم الثلاثاء الماضي، على منافسه الجمهوري مايك روجرز بعد معركة انتخابية شرسة ركز فيها الجمهوريون على استهداف الخلفية الدينية والإثنية للمرشح الديمقراطي.
ونجح السيد في حسم السباق على مستوى ولاية ميشيغن بفارق حوالي ٣٣٥ ألف صوت، متجاوزاً أمواجاً عاتية من حملات التشويه والتحريض الممنهجة، والإنفاق المالي غير المسبوق فضلاً عن انقلاب منافسته في تصفيات الديمقراطيين، النائبة هايلي ستيفنز، التي قررت دعم روجرز في الأمتار الأخيرة من السباق.
وعكست الأرقام غير الرسمية لفرز صناديق الاقتراع، الفارق الكبير الذي حسَم به السيد، المعركة لصالحه بنيله ٢,٥٠٧,٩٠٦ صوتاً، بنسبة بلغت ٥٢.٥ بالمئة، مقابل حصول روجرز على ٢,١٧٣,٥٩٥ صوتاً ٤٥.٥ بالمئة، بعد فرز حوالي ٩٨ بالمئة من الأصوات.
ويأتي فوز السيّد ٤٢ عاماً ليشكل درة التاج في في التسونامي الأزرق الذي اجتاح انتخابات التجديد النصفية، مؤّمناً للديمقراطيين بذلك سيطرة واسعة على مجلس الشيوخ الأميركي، بأغلبية ٥٤ مقعداً على الأقل بانتظار حسم النتائج النهائية في ميسيسبي وألاسكا، وذلك بعد أن نجح المرشحون الديمقراطيون في انتزاع انتصارات حاسمة في ولايات آيوا وكارولاينا وأوهايو وتكساس.
ومن شأن هذا الانقلاب في الرأي العام أن يمنح الديمقراطيين أدوات تشريعية واسعة لكبح جماح إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب خلال العامين المتبقيين من ولايته الرئاسية.
خطاب النصر
أمام حشد غفير من أنصاره ومؤيديه، قدّم السيد في وقت مبكر من صباح يوم الأربعاء الماضي خطاب النصر في برج هادسون بوسط مدينة ديترويت، مستهلاً كلمته بتقديم اسمه الكامل، عبدالرحمن محمد السيّد، في رد صريح ومباشر على هجمات التشكيك والتشويه التي استهدفت عقيدته الدينية وهويته وانتماءه الوطني طوال الشهور المنصرمة.
وأعاد المدير السابق لدائرة الصحة العامة وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة وين، شعارات حملته الانتخابية وسط أجواء ملتهبة بالحماسة، وهي: إخراج المال من السياسة ووضع المال في جيوب الناس وتوفير الرعاية الصحية الشاملة للجميع، وقال: «يا ميشيغن.. لقد أنجزنا المهمة.. وأنا فخور وأتشرف بالوقوف هنا أمامكم كسناتور مُنتخب عن ولاية ميشيغن العظيمة».
وأشاد السيد بالقواعد الشعبية التي ساندته طوال رحلته الانتخابية، وكذلك بالناخبين الذين جازفوا بالرهان «على أقل المرشحين حظاً»، وقال: «هذا النجاح مِلككُم يا شعب ميشيغن، لا أستطيع الانتظار لخدمتكم بنفس القلوب الكبيرة والعقول المفتوحة والعزيمة التي أظهرتموها لي، لقد رحّبتم بي في بيوتكم وكنائسكم ومعابدكم ومقرات المحاربين القدامى وقاعات النقابات… ولقد شاركتموني لحظات الإحباط والحزن، وأعطيتموني الرحمة والقوة في الأوقات الأكثر حراجة، والأمل والإلهام اللذين يغذّيان أفضل ما لدي.. أحبكم جميعاً وأتمنى أن آخذ كل ذلك معي إلى واشنطن في خدمتكم».
واستعرض السناتور المُنتخب، المعركة الشرسة وحملات التشويه التي طالته بشكل شخصي، قائلاً: «لقد كشف الشهر الماضي عن الرهانات الحقيقية لهذه الانتخابات، فهذا الحراك الجميل تم بناؤه على مدار عام ونصف عبر أكبر مدن ميشيغن وأصغر بلداتها لنحدثكم عن مستقبل أكثر إشراقاً»، مستدركاً بالإشارة إلى الحملات الإعلامية الممولة من الشركات والمصنّعة لتضليل الناس وتشتيتهم. وقال: «لقد قرر المعارضون تفريقنا عبر الإشارة إلى اسمي وإيماني، وعندما لم ينفع ذلك ذهبوا بكامل ثقلهم نحو واحدة من أقبح الحملات التي رأيناها في حياتنا… لكننا نعلم جميعاً أن اسمي وإيماني ليسا السبب في عدم قدرتكم على تحمّل تكاليف البنزين أو البقالة أو زيارة الطبيب».
وأوضح السيد أسباب عدم رده بالمثل على الهجمات القميئة التي استهدفته طيلة الحملة الانتخابية، بالتأكيد على أنه لم يترشح لغرض شخصي، وقال: «في الحقيقة هم لم يكونوا يستهدفونني أنا، بل كانوا يستهدفونكم أنتم ويستهدفون فكرة أميركا نفسها.. إنهم يكرهون فكرة أميركا التي تكون متسعة بما يكفي لأي شخص يبدو مختلفاً قليلاً، أو يصلي بطريقة مختلفة، أو تأتي عائلته من جزء مختلف من العالم».
وأضاف: «لقد حولوا هذا الأمر إلى خيار بسيط: هم يريدون أميركا أصغر من أن تتسع للبعض منا، بينما نحن نعلم أن أميركا كبيرة بما يكفي لجميعنا ولمواجهة الأزمات التي نمر بها، حتى وإن أصبحت إهانات ترأمب يوماً بعد يوم أقبح وأكثر ابتذالاً».
ووجه السيد رسائل سياسية ساخرة ولاذعة لمنافسيه ولعديد القيادات الجمهورية الأخرى، قائلاً: «خلال حملاتنا في الانتخابات التمهيدية والعامة، أنفقوا أكثر من ٣٥٠ مليون دولار لمحاولة هزيمتنا، وهو رقم قياسي هنا في ميشيغن، لكننا بنينا شيئاً أكبر من الحسابات البنكية، بنينا حركة حكومة من الشعب وبالشعب وللشعب، وأثبتنا أنه في المعركة بين المال والجمهور، فإن الجمهور هو من ينتصر». وقال: «إلى جميع الأطفال والآباء الذين شاهدوا التهكم العلني على الاسم والطريقة التي نصلّي بها… قولوا لهم إن الأشرار قد خسروا، وإننا معاً قد انتصرنا.. ولذا يا مايك روجرز استمتع بتقاعدك في فلوريدا، فقد اخترت الكراهية وميشيغن اختارت الأمل وآمل أننا لن نرى أمثالك هنا مجدداً».
وتابع بخفّة دم استقطبت اهتمام الكثير من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي: «أما أنت يا جي دي فانس، حبيبي، هناك مفارقة ساخرة ولذيذة للغاية في حقيقة أنك ملزم دستورياً بالإشراف على أدائي لليمين الدستورية وتنصيبي في يناير المقبل! هل تعرفون ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني: وولفرينز ١ وباك آيز ٠، في إشارة إلى المنافسات الرياضية الشرسة بكرة قدم الجامعات الأميركية بين فريق «جامعة ميشيغن» التي تخرّج منها السيد، وبين الفريق الرياضي لجامعة «أوهايو ستايت»، التي تخرّج منها فانس.
كما وجه السيد خطاباً للرئيس ترامب مذكراً إياه بتلعثمه المتعمد والساخر في نطق اسمه، قائلاً إنه بعد تأدية اليمين في يناير المقبل، فإنه «يمكن لترامب ببساطة، المضي قدماً ومناداتي بـ: السناتور»، بحسب تعبيره.
وأعاد السناتور المنتخب، التذكير بمواقفه الثابتة حول القضايا الخارجية والسياسات المالية لجماعات الضغط السياسي، معرّضاً بـ«لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية» آيباك التي أنفقت أكثر من ٤٢ مليون دولار ضده، وخاطبها بالقول: «شكراً على إعطائي الفرصة لهزيمتكم مرتين»، في إشارة إلى فوزه على ستيفنز ثم روجرز. وأضاف: «نحن حين نطالب بأن يعيش الأطفال الفلسطينيون بسلام في أرض أجدادهم دون أن يُقتلوا بأموال ضرائبنا، ونؤمن بالكرامة والحقوق المساواة، فهذه ليست كراهية بل حب».
وتابع بالقول: «أبناء ميشيغن يريدون أن تُنفق ضرائبهم هنا للمدارس والرعاية الصحية والبنية التحتية، لا على الفصل العنصري والإبادة الجماعية والحروب.. قالوا لنا إنه لا طريق لهزيمة المال، وإن شخصاً مسلماً باسمي وقصتي غير قابل للانتخاب، لكننا هزمنا ٣٥٠ مليون دولار والآلة الانتخابية، وأثبتنا أن الشعب هو من يحدد من يُرسل إلى واشنطن وما الذي ستفعله واشنطن».
وختم السيد خطابه باستحضار سيرته الشخصية ورؤيته المستقبلية لأميركا، متسائلاً: «أين يمكن لطبيب يُدعى عبدالرحمن محمد السيد، وهو ابن لمهاجرين، أن يُنتخب سناتوراً لأعظم ولاية، إلا هنا في أميركا؟ أنا أحب أميركا وأعلم تماماً ما قدمته لي من تعليم وتطعيمات ورعاية، لكنني أحبها بما يكفي لأطلب منها أن تكون لجميع أطفالها وأن نتمسك بالحقوق غير القابلة للتصرف في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة».
وعبد الرحمن السيد من مواليد ولاية ميشيغن عام ١٩٨٤ وهو عالم أوبئة من أصل مصري، شغل منصب مدير الصحة العامة في بلدية ديترويت ثم في مقاطعة وين، وسبق أن ترشح لمنصب حاكم ميشيغن في ٢٠١٨ دون أن يحالفه الحظ بمواجهة الحاكمة الديمقراطية الحالية غريتشن ويتمر.
ودرس السيد في «جامعة ميشيغن » ثم تابع دراسته في كلية أوريل التابعة لـ«جامعة أكسفورد». ونال لاحقاً درجة دكتور في الطب من «جامعة كولومبيا».
انشقاق اللحظة الأخيرة
قبل يومين من يوم الاقتراع، فاجأت النائبة الديمقراطية عن ولاية ميشيغن في الكونغرس الأميركي هايلي ستيفنز، مسؤولي الحزب الديمقراطي بإعلان تأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز الذي ظهرت معه في فعاليات انتخابية بمدينة ديترويت يوم الأحد الفائت، في خطوة وصفت بالزلزال السياسي وعوّل عليها المعسكر الجمهوري كثيراً لإلحاق الهزيمة بالسيد.
وجاء انقلاب ستيفنز المفاجئ امتداداً لخطوة سبقتها بسبعة أيام فقط، عندما أعلن خطيبها المحامي جايسون توركيش خطوة مماثلة بدعمه وتصويته لروجرز، بهدف توجيه ضربة مزدوجة ومحسوبة لحملة السيد في الأمتار الأخيرة من السباق.
ورغم أن ستيفنز كانت قد أعلنت دعمها للسيد عقب خسارتها الانتخابات التمهيدية في الصيف الماضي، إلا أنها عادت وانقلبت على زميلها في الحزب، مبررة انشقاقها المفاجئ بالتأكيد على أنها «باتت تشعر بأنها غير مرحب بها في حملة السيد»، فيما آثر الأخير الصمت ورفض مراراً وتكراراً التعليق على هذا التحول الحاد في موقف منافسته السابقة.
وقوبل موقف ستيفنز بموجة إدانات واسعة من الحزب الديمقراطي والقيادات المحلية، بوصفه تتويجاً لمرارة الهزيمة النكراء التي تكبدتها في الانتخابات التمهيدية خلال شهر آب أغسطس المنصرم، حين نجح السيد في انتزاع ترشيح الحزب الأزرق والتغلب عليها وعلى التكتلات الداعمة لها رغم إنفاق عشرات الملايين من الدولارات لدعم حملتها من قبل اللوبي الإسرائيلي وأذرعه.
رفض الخطاب العنصري
وعلى مدار الحملة الانتخابية، تعرض السيد، المنتمي إلى التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، لهجمات سياسية غير مسبوقة طالت هويته الدينية وتوجهاته السياسية وولاءه الوطني، وهو ما منح فوزه ميزة بارزة إلى جانب أهميته التاريخية، بحسب المراقبين.
وعمل الجمهوريون على تصوير الديموقراطيين على أنهم شيوعيون، ووصفوا عبدول بالإرهابي الذي سيعرض الأميركيين للخطر. بينما تعهد هو بمساعدة ذوي الدخل المحدود في الحصول على الرعاية الصحية.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية ركزت الإعلانات المكثفة والتصريحات المتكررة لقادة الحزب الجمهوري ومرشحيه على محاولة التشكيك في انتماء السيد واتهامه بالإرهاب والارتباط بجماعة «الإخوان المسلمين»، في مسعى لترهيب الناخبين ومنعهم من التصويت له.
ودأب الرئيس ترامب على مناداة المرشح الديمقراطي باسم «محمد» بدلاً من «عبدول»، واصفاً السيد بأنه «متطرف راديكالي ومتعاطف مع الإرهاب».
وتصاعدت الهجمات الكلامية خلال التجمعات الانتخابية للجمهوريين، حيث وصف ترامب، السيد خلال تجمع جماهيري في بورت هيورون، الشهر المنصرم، بـ«الجهادي» مدعياً ارتباطه بجماعة «الإخوان المسلمين»، ومحذراً من وصوله إلى مجلس الشيوخ الأميركي، قبل أن يكمل ساخراً بأن السيد سيكون السناتور الوحيد الذي يتوجب إخضاعه لجهاز كشف المعادن قبل دخوله مبنى الكابيتول.
وعلى نفس المنوال، أهاب نائب الرئيس جاي دي فانس خلال تجمع انتخابي بمدينة ستيرلينغ هايتس بالناخبين عدم التصويت للسيد، واصفاً إياه بـ«الشرير جداً»، كما اتهمه بالتعاطف مع قوى متطرفة وبمحاولة تقسيم الأميركيين على أسس عرقية ودينية.
بدوره، ذهب روجرز في نفس الاتجاه عقب فوز السيد بترشيح الحزب الديمقراطي في أغسطس الماضي، قائلاً: «قضيت سنوات في مطاردة الإرهابيين وتقديم أسامة بن لادن للعدالة، ولم أتخيل قط أن أترشح ضد شخص يرى أن أميركا كانت تستحق هجمات ١١ سبتمبر».
وفي جميع الأحوال جاء انتصار السيد يوم الثلاثاء الماضي، مدوياً، حيث تمكن من الفوز بمقاطعات موالية تقليدياً للجمهوريين مثل إيزابيلا وماسكيغون وليلانو وغراند ترافيرس، كما أنه تمكن من الفوز بمجتمعات ذات كثافة يهودية في مقاطعة أوكلاند، وذلك رغم سعي أنصار إسرائيل لتصويره كشخص معاد للسامية.






Leave a Reply