محمد العزير
لم تخيب الانتخابات التمهيدية التي جرت في ميشيغن للتو، آمال المراهنين على استمرار عملية التحول البنيوي داخل الحزب الديمقراطي المترهّل، وحقق الجناح التقدمي في الحزب انتصاراً باهراً أذهل القيادة التقليدية، بقيادة زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، والتي حشدت كل مصادرها المؤسسية وعلاقاتها المتشعبة وألاعيبها الإعلامية والإحصائية لدعم المرشحة «المحترفة»، التي تصف نفسها، على غرار الرئيس السابق جو بايدن، بأنها صهيونية، عضو مجلس النواب عن الولاية لثلاث دورات هايلي ستيفنز، والتي أنفقت «آيباك» الإسرائيلية ومتفرعاتها زهاء سبعين مليون دولار على حملتها الانتخابية دون جدوى.
لا يقتصر مفعول فوز الدكتور عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية، على الصراع بين جناحي الحزب الديمقراطي، فعلى أهمية هذا المعطى، كرّس فوز السيد حقيقة أن صورة العربي الأميركي في السياسة الداخلية الأميركية لم تعد تلك «الفزاعة» التي صنعها مناصرو إسرائيل والصهيونية عبر سنوات طويلة من الشيطنة والتحريض والضخ الإعلامي، ولم يعد العربي الأميركي الذي يدخل حلبة الانتخابات هدفاً سهلاً تلصق به تهم الإرهاب والتطرف والتعصب والعمل على تطبيق الشريعة، كما كان يتكرر دون حساب ولا مساءلة، ولم تعد النظرة إلى العرب الأميركيين كـ«دخلاء» على المشهد، ومن يذكر بدايات العمل المؤسسي والمشاركة في ثمانينات القرن الماضي، يتذكر بلا شك، المرّات الكثيرة التي ردّ فيها مرشحون أميركيون تبرعات عربية أميركية لحملاتهم ليبعدوا عن أنفسهم شبهة «الاستعراب»، وكان آخر من فعل ذلك، هيلاري كلينتون في حملتها لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك عام 2000.
النقطة الثانية المتعلقة بفوز السيد، والتي لا تقل أهمية، هي نجاح الشباب في تعزيز الحضور العربي الأميركي وتفعيله، عبر الخريطة المؤسسية التي مهدّت لهم الطريق أمام الإنخراط في الحياة العامة، فالدور الحيوي الذي تلعبه هذه الشريحة الوازنة، تنظيماً وتصويتاً وترشحاً ومشاركة، تقلل كثيراً من الميول البدائية في العمل السياسي والتي عانت منها المحاولات الانتخابية الأولى، ومن ربط الولاءات العائلية والمناطقية بمقاربة الشأن العام، ومن التقوقع الداخلي الذي يستحضر بالضرورة أساليب الانتخابات في الوطن الأم ومفاهيم المناصب والتي لا تنتمي إلى العصر ولا إلى آليات الأداء السياسي الحديث. الواضح أن دور الشباب يشجع على المشاركة والانفتاح، وما نتائج الانتخابات المحلية ونجاح المرشحين الشباب إلّا تأكيد على ذلك.
يؤشر فوز السيد إلى أن مسيرة التغيير داخل الحزب الديمقراطي والتي انطلقت مع ترشح السناتور بيرني ساندرز للتزكية لانتخابات الرئاسة 2016، والتي لعبت فيها المؤسسة الحزبية التقليدية دوراً نافراً، لا يخلو من التواطؤ، لضمان فوز هيلاري كلينتون، صارت الآن قاب قوسين أو أدنى من إنجاز أهم أهدافها وهو استبدال القيادات والبنى المزمنة وإبعاد الحزب عن منظومة الشركات الكبرى وقوى الضغط والمال السياسي (خصوصاً ما تمثله آيباك من قبضة مشددة على عنق الحزب)، وإفساح المجال أمام دم جديد ورؤية جديدة تأخذ في الاعتبار قضايا الناس المعيشية والطبية والتربوية من خلال سياسات جريئة تعالج مشاكل التأمين الصحي وضمان الشيخوخة وتوفير حضانات للأطفال وتعليم جامعي مجاني وغيرها من المبادرات الملحة.
من الواضح أن حركة التغيير استفادت من رئاسة دونالد ترامب التي حاولت في المرة الأولى وتحاول الآن في نسختها الثانية، اعتماد سياسة الرأسمالية المتوحشة على حساب المكاسب التي حققتها الشرائح الاجتماعية المتوسطة والمتدنية الدخل منذ إقرار برامج «الصفقة الجديدة» في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت أواخر ثلاثينيات القرن الماضي وبعد كارثة الكساد الكبير، فالهجمات المتواصلة على برامج الرفاه والضمان الاجتماعي وضمان الشيخوخة والمساعدات الغذائية والتعليم العام والتمكين والتعددية والإدماج، نجحت في مواقع كثيرة من خفض التقديمات أو إلغائها كلياً، كذلك كان للتراجع عن الاتفاقيات الدولية للحد من التلوث والاحتباس الحراري، وفتح الأراضي الفدرالية والسواحل المحمية لشركات النفط للتنقيب، وتغيير أنظمة الرقابة على المصانع وحماية العمال، أثر بالغ في الواقع الحياتي للناس.
إلا أن المعطى الأهم فكان رئاسة بايدن الذي وصل إلى البيت الأبيض عام 2021، بفضل الجناح التقدمي الذي لم يتحدى ترشيحه رغبة في تأمين وحدة حزبية في مواجهة ترامب، وبعدما وعد بايدن بالاكتفاء بولاية واحدة تمهد لوجوه جديدة تتنافس على خلافته، لكن بايدن حرص منذ اليوم الأول لولايته على إعادة ترميم المؤسسة التقليدية للحزب، بعد الأداء المميز لحملة ساندرز 2016، فاستبعد الشخصيات التقدمية من إدارته، ونسّق مع القيادات التشريعية الديمقراطية على تهميش النواب والشيوخ التقدميين ودعم المرشحين التقليديين، ثم جاءت حرب الإبادة على غزة لتفضح موقفه الخشبي من الاحتلال وتماهيه مع حكومة تل أبيب الفاشية، وتجاهله الكامل لنبض الشارع الرافض لسياساته وجرائمها، وصولاً إلى التمسك بترشيح نفسه استناداً إلى ما اعتقد أنه تأييد صهيوني كامل له، بعد مواقفه المريعة.
أدت سياسة بايدن إلى انكفاء واسع في صفوف الديمقراطيين التقدميين، الذين لم يترك لهم بايدن فرصة لترشيح شخصية يؤيدونها لانتخابات 2024، خصوصاً وأنه أعلن عزوفه عن الترشيح بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية، و قبل أربعة أشهر فقط من الانتحابات العامة، وترجم هذا الانكفاء نفسه في حصول مرشحة الحزب التقليدية ونائبة الرئيس كاملا هاريس على أصوات تقل بحوالي تسعة ملايين صوت عما حصل عليه بايدن قبل أربع سنوات، فيما لم يزد عدد أصوات ترامب عما حصل عليه في الدورة السابقة عن حوالي نصف مليون صوت، وبالتالي كانت نتيجة الانتخابات خسارة للحزب الديمقراطي ولم تكن فوزاً للجمهوريين.
لكن بلوغ الهدف بالنسبة للجناح التقدمي ليس سهلاً ولا مضموناً، خصوصاً وأن المحطة التالية بعد الانتخابات العامة هذا الخريف، هي انتخابات الرئاسة 2028، التي ستبدأ عملياً بعدها على الفور، ولا تزال المؤسسة التقليدية للحزب تمسك بمفاصل القرار وتحتل المراكز القيادية في مجلسي النواب والشيوخ وفي عواصم الولايات الديمقراطية، كما تتحكم بشبكة علاقات مالية وإعلامية واسعة النطاق، ولديها القدرة على التأثير، ولو بشكل ملتوٍ، على الناخبين من خلال ألاعيب وحيل معروفة أهمها تحوير استطلاعات الرأي إما من خلال أسئلة «ملغومة» أو عبر تشويش المعطيات الإحصائية، وهو ما حصل فعلاً في الانتخابات الأخيرة، حين أظهرت بعض الاستطلاعات تقدماً كبيراً للسيد على منافسته (بقصد تحفيز خصومه) فيما أظهرت أخرى أن المنافس الجمهوري يتفوق عليه أكثر مما يتفوق على منافسته (ليشعر الناخب الديمقراطي أن عليه أن يختار الأكفاء للانتخابات العامة).
في العادة تعتبر الانتخابات التمهيدية خطوة أولى نحو الحسم في الانتخابات العامة، لكن طبيعة المنافسة التي شهدناها في ميشيغن تجعلها أكثر أهمية، فالمعركة كانت داخل الحزب الديمقراطي في ولاية متأرجحة، والموارد لم تكن متقاربة، كما أن المؤسسة الحزبية لم تتخذ موقف الحياد الإيجابي، بل وضعت كل ثقلها خلف ستيفنز التي خسرت رغم تزكية حاكمة الولاية ذات الشعبية الكبيرة غريتشن ويتمر لها، ورغم كل المحاباة الإعلامية «التقليدية» لها، حتى يكاد المشاهد يشعر بأن محطة مثل «سي أن أن» ستعلن الحداد وتقبُّل التعازي، بعد إعلان فوز السيد، خصوصاً في البرامج التي يقدمها إعلاميون معروفون بولائهم لإسرائيل أمثال وولف بليتزر وجاك تابر. هو ربح مستحق للسيد، وهذا ما سيجعل القاعدة الانتخابية الديمقراطية أكثر حماساً في الخريف المقبل، وهو ما يزيد من حظوظه وحظوظ الحزب الديمقراطي بالفوز.





Leave a Reply