إبتسام خنافر
هذه الأيام، لا أحد يسأل عن البيت كما يُسأل عادة عن بيت. السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل ما لا يُحتمل: هل مازال قائماً؟
لكن الحقيقة أن أحداً لا يقصد الجدران.
الجميع يسأل عن شيءٍ آخر… عن حياةٍ كانت هناك، وسُحبت فجأة، دون أن تُفسِح وقتاً للوداع.
في قرى قضاء بنت جبيل، في عيناثا وعيترون، لم تكن البيوت تُبنى، بل كانت تُربّى. تكبر مثل أطفالها، تتعب مثل أهلها، وتشيخ معهم بهدوء.
كان الأب يجلس في مكانه الذي لا ينافسه عليه أحد، وكانت الأم تملأ الفراغ دون أن يشعر أحد أنه كان فراغاً يوماً،
وكانت الأخت تمرّ وتترك أثرها في الهواء، وكان الأخ يملأ المكان حياةً وضجيجاً، وكان الأصدقاء يدخلون دون استئذان، كأنهم جزء من الجدران نفسها. وكان هناك جدّ، أو جدّة، يجلسان بصمتٍ يعرف أكثر مما يبوح، ويتركان في المكان شيئاً لا يُفسَّر… شيئاً يشبه الطمأنينة.
لم تكن هذه التفاصيل تُلاحظ، لأنها كانت الحياة نفسها. الشارع لم يكن طريقاً، بل ذاكرة تمشي عليها الأقدام… والشجرة لم تكن شجرة، بل شاهد على أعمارٍ مرّت. والعصافير لم تكن تغرّد، بل تعلن بداية يوم جديد.
أما رائحة التراب التي تفوح بعد المطر، كانت كفيلة بأن تطمئننا: كل شيء بخير…
لم يكن أحد يخاف أن يفقد هذا كله، لأن أحداً لم يتخيل أن الفرح يمكن أن يُسلب فجأة بهذه الطريقة.
اليوم، حين تُهدم البيوت، لا يُفقد البيت وحده. يُفقد كل ما كان يحدث داخله. تُفقد اللحظات التي لم تصوّر، الأصوات التي لم تُسجّل، الوجوه التي كانت تمرّ وتبقى…
وفي الاغتراب، في أماكن بعيدة لا تشبه شيئاً مما كان، يُفتح الهاتف، وتُفتح معه حياة سابقة… ثم تُغلق دفعةً واحدة.
العين تبحث في الصورة عن شيء تعرفه، لكن القلب يبحث عن شيء آخر عن إحساسٍ كان هناك، ولم يعد.
القلق ليس على الحجر، بل على تاريخ وجذور وعلى قبر أبٍ رحل… هل ما زال في مكانه؟
القلق على الأم.. هل يعود صوتها ليملأ المكان المهدّم؟ على الأخت، على الأخ، على الأصدقاء االذين كانوا يتنشقون الهواء هناك ويقولون: كم أنت محظوظة!…
لم يعد السؤال: ماذا بقي؟ بل: من بقي؟ وهل نعود؟
المقابر… تلك الأماكن التي كنا نذهب إليها لنخفف وطأة الغياب، لنهمس الأسماء بصوتٍ منخفض، لنشعر أن الذين رحلوا… لم يرحلوا تماماً.
نراها اليوم وقد فُجّرت، وجُرفت، الأرض محروقة، والشواهد مبعثرة، كأن الموت نفسه لم يشف غليل القاتل.
كأن الفقد يجب أن يتكرر، لتكتمل حلقة الألم واليأس.
كيف يمكن أن يتحمل الإنسان كل هذا؟
كيف يمكن أن يقف أمام قسوة كهذه، ولا ينكسر؟
وفي وسط كل هذا، لا يبقى شيء واضح.. إلا الشوق. شوقٌ لا يشبه الحنين العادي، شوقٌ إلى حياةٍ كاملة،
إلى تفاصيل لم نكن نعرف أنها عظيمة، إلى أيامٍ مررنا بها دون أن نشعر أنها ستصبح يوماً أغلى ما نحمله.
ولهذا، حين يُقال إننا سنعود، لا يكون ذلك وعداً ولا قراراً، بل قدر محتوم.
نعود، لأن هناك، طيف أب كان يرعانا، وأمّ كانت تحتضننا، وأولاد يملأون حيّنا… نعود لنزرع ونبني ونمشي على خطاهم حتى لو لم نجدهم، حتى لو لم نجد البيت ولا الشارع، حتى لو لم نجد حجراً على حجر.
نعود، لأننا أبناء الأرض.







Leave a Reply