محمد العزير
في واحد من أوقح المواقف السياسية فجاجة، وفي إعلان يرقى إلى الرشوة الصريحة، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدفع خمسة آلاف دولار لكل مواطن بالغ، شرط أن يفوز حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني نوفمبر المقبل، والتي تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم ملحوظ للحزب الديمقراطي فيها واحتمال انتزاعه الأغلبية في مجلس النواب على الأقل، مع تعادله تقريباً في سباقات مجلس الشيوخ، خصوصاً وأن ثلاث ولايات هي ماين وكارولاينا الشمالية وتكساس تشهد تقارباً غير مألوف على حساب المحافظين، فيما لم يُحسم مصير ولايات ألاسكا وأيوا وأوهايو والتي كانت ممثلة بشيوخ جمهوريين، علماً أن الديمقراطيين يحتاجون لقلب أربعة مقاعد فقط لانتزاع الأغلبية.
جاء إعلان ترامب بطريقة تليق بكل سلوكه الاعتباطي، وتعكس هيمنته المطلقة على الحزب الجمهوري الذي لم يبق منه سوى الاسم، وتختصر بشكل مكثّف واقع الحال السياسي في أميركا في ظل الشعبوية والشخصانية والاستبداد. ففي اليوم الأخير من حزيران يونيو الماضي أعلن ترامب عبر منصته الإلكترونية «تروث سوشال»، ودون أي تمهيد أو مقدمات أن الحزب الجمهوري، وللمرة الأولى في تاريخه، سيعقد مؤتمره الوطني العام في التاسع من أيلول سبتمبر عشية الانتخابات النصفية، ملغياً بذلك تقليداً عريقاً يقضي بانعقاد المؤتمرات الحزبية الوطنية بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية لتزكية مرشحي الرئاسة، مرة كل أربع سنوات، وناسفاً السياق المعتمد لانعقاد المؤتمر، الذي تسبقه عادة مؤتمرات محلية وعلى مستوى الولايات، وانتخاب مندوبين عن كل دائرة ووضع برنامج عمل سياسي وتشريعي، ومكتفياً بحضوره كعنصر الجذب الوحيد.
لم تقتصر إهانة ترامب للنظام السياسي على التلاعب بالتقاليد الراسخة وضرب السياقات المعتمدة، بل تعدى ذلك إلى تكريس مقاربته للشأن العام والمواصفات التي ينبغي للمرشحين إلى مناصب هامة، حين أوكل إلى المدعي العام في ولاية تكساس كِين باكستون، المرشح لعضوية مجلس الشيوخ، الإعلان أن المؤتمر المباغت سيعقد في مدينة دالاس، موحياً بأن الغاية منه هي دعم حملته التي تواجه أكبر تحدٍّ من مرشح ديمقراطي لأكثر من أربعة عقود. والملفت أن باكستون الذي دعمه ترامب في الانتخابات التمهيدية، لإبعاد السناتور الجمهوري جون كورنين الذي كان من آخر السياسيين المحافظين الذين لم يذعنوا لمشيئته ويؤيدوه بشكل كامل، هو من أكثر السياسيين فساداً، وأكثرهم شبهاً بترامب من حيث السلوك.
تتعدّد أوجه الشبه بين ترامب وباكستون، فعلى المستوى الشخصي أظهرت وقائع قضية الطلاق التي رفعتها ضده زوجته السابقة، عضو مجلس الشيوخ في تكساس أنجيلا باكستون، أنه كان على علاقة مع نساء غيرها، وأن أصدقاءه النافذين نجحوا في التغطية على ذلك ومنع تناوله من قبل الصحافة المحلية، وعلى مستوى الانتخابات هناك الكثير من التحقيقات في سلوكه الإنتخابي الشخصي لجهة تعدد عناوين سكنه، كذلك كان موضع شكوى مهنية بسبب رفعه دعاوى فارغة إلى المحكمة الدستورية العليا للانقلاب على نتائج انتخابات ٢٠٢٠، دعماً لترامب، وعلى مستوى الفساد تم اتهامه عام ٢٠١٥، وقبل انتخابه لمنصبه بارتكاب أعمال نصب تتعلق بالأسهم والتداول، لكنه وعلى طريقة ترامب مارس لعبة التأجيل والدفوعات الشكلية لعشر سنوات قبل أن يدخل في تسوية قضائية دفع بموجبها غرامة قدرها ٣٠٠ ألف دولار.
أما وجه الشبه الأكبر بين الرجلين فهو توجيه الاتهام الدستوري لهما من قبل مجلس النواب وطلب عزلهما من منصبيهما، فقد صوت مجلس نواب تكساس الذي يسيطر عليه الجمهوريون أي حزبه في أيار مايو ٢٠٢٣، على طلب عزل باكستون بأغلبية ساحقة ١٢١–٢٣، بعد توجيه اتهامات رشوة وصرف نفوذ وعرقلة العدالة والتلاعب بالأدلة في قضايا متشابكة، إلا أن مجلس الشيوخ لم يصوّت على عزله بعد تدخلات سياسية وضغوط كبيرة، مثلما لم يصوت مجلس الشيوخ على عزل ترامب مرتين ٢٠٢٠ و٢٠٢١.
مع كل هذا السجل الحافل لم يجد ترامب غضاضة في تبني ترشيح باكستون، الذي لم يسلم من انتقادات ترامب له وتقريعه والسخرية منه. كرّر ترامب في أكثر من موضع أن مرشحه المفضل «لا تعجبني طريقة لبسه، ولا يرتدي ملابسه بشكل مناسب… وهيئته لا تعجبني فهو ليس أكثر الرجال وسامة ممن رأيتهم… وأسلوبه في الكلام غير موفق ولا تعجبني حقاً طريقة حديثه»، ومع كل هذه المزايا الإضافية من قبله، يصرّ ترامب على ضرورة انتخاب باكستون، فهو وكما حصل في المؤتمر المرتجل الذي لم يستقطب الآلاف الذين توقعهم ترامب، وغاب عنه الكثير من الوجوه المحافظة، لا يهمه أحد سوى نفسه ولا تهمه الحقائق ولا الوقائع، ويعتقد أنه قادر بسردياته المتضاربة أن يغير الرأي العام.
انتهى المؤتمر بعد يومين من الخطابات والاستعراضات، ولم يتذكر الناس منه سوى وعد الرشوة، غير الفعّال وغير القابل، للتنفيذ شأنه شأن الكثير من وعود ترامب الخلّبية، وخصوصاً حديث دفعة الألفي دولار لكل بيت في أميركا من عائدات التعرفة الجمركية التي كانت ولا تزال لعبته المفضلة التي تزيد من هدر الهيبة الاقتصادية الأميركية دولياً ومن خلق خصومات وعداوات مع أقرب الحلفاء، وآخرهم كندا التي أعلن عليها حرباً جمركية وحرب تغيير أسماء تاريخية جعلت من الدبلوماسية الأميركية أضحوكة العالم، فالوعد الرشوة غير فعّال لأن متوسط دخل العائلة الأميركية السنوي يناهز ٩٠ ألف دولار، والنظر إلى هذا الرقم بالتفصيل يبيّن أن دخل الطبقة المتوسطة الأكثر مشاركة في الانتخابات يفوق ١٠٠ ألف دولار، وبالتالي لن يكون المبلغ الموعود مغرياً لأحد منهم، إما الشرائح المنخفضة الدخل فلا تشارك في التصويت كثيراً، والغالبية الكبرى منها تعيش في ولايات محافظة عموماً، فبين الولايات العشر الأكثر فقراً هناك تسع منها يحكمها الجمهوريون، ثم إن تنفيذ الوعد يعني أنه سيكلف الخزينة ما يقارب تريليون و٢٥٠ مليار دولار، وهذا رقم مخيف في ظل الدين العام الذي تجاوز مؤخراً عتبة الأربعين تريليون، ولن يكون الأخذ به جذاباً.
كذلك، يحتاج تنفيذ الوعد إلى موافقة الكونغرس، وبند إنفاقي كهذا لا يتم بمرسوم رئاسي، ويحتاج إلى أكثرية دستورية في الكونغرس لإقراره، ما يعني أن الأكثرية الجمهورية إذا عادت لن تكون قادرة على تمريره لأنه يحتاج إلى ستين صوتاً في مجلس الشيوخ على غرار الموازنة التي تصل كل فترة إلى مطب تخصيص النفقات، وتؤدي إلى إقفال بعض الدوائر الحكومية حتى يتم التوافق، وهو ما يتكرر مؤخراً بسبب الانقسام السياسي –ثلاث مرات خلال السنة الماضية آخرها بين ١٤ شباط فبراير و٣٠ نيسان إبريل الماضي.
ظاهرة ترامب التي عادت بزخم كبير بعد انتخابات ٢٠٢٤، ما لبثت أن تلاشت تدريجياً، لأن ما حصل كان خسارة محققة للديمقراطيين بسبب سياسات جوزيف بايدن الخشبية ورفض نائبته كامالا هاريس مد اليد إلى الجناح الليبرالي الفعّال في الحزب، ولم يكن فوزاً ناجزاً للمحافظين، ففي حين خسر الديمقراطيون حوالي ثمانية ملايين صوت قياساً إلى ٢٠٢٠، لم يزدد عدد الأصوات لترامب عن نصف مليون، والآن يبدو أن الزخم لم يعد خلف ترامب وفريقه، بل يتركز في مجال آخر عنوانه المد الليبرالي الذي يتوسّع أفقياً ويوحي بأنه سيتحول إلى تيار جارف إذا حقق مرشحوه النتائج المرجوة في الانتخابات المقبلة، عندها ستكون انتخابات الرئاسة عام ٢٠٢٨، النهاية الحتمية لمغامرة ترامب الشعبوية، وحتى ذلك الحين على أميركا والعالم أن يتابع السيرك السياسي والإعلامي الذي يقوم به أكبر مهرج في تاريخ واشنطن.





Leave a Reply